14 مايو 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
سامي الحميري
سامي الحميري
14 مايو 2026

حين تصبح دعوات لم الشمل ضرورة وطنية

 

 

في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا تقاس قيمة المواقف بحدة الخطاب، إنما بقدرتها على جمع الصفوف واستعادة البوصلة الوطنية، من هذا المنطلق، يمكن قراءة رسالة النائب الأول لرئيس المؤتمر الشعبي العام الدكتور أحمد عبيد بن دغر باعتبارها أكثر من مجرد رد تنظيمي على مطالب داخلية في المؤتمر الشعبي العام، إنها محاولة لفهم اللحظة اليمنية كما هي بكل تعقيداتها وأخطارها، وطرح دعوة عقلانية لتجاوز الانقسامات التي استنزفت القوى الوطنية طوال سنوات الحرب.

 

اليمن اليوم لايتسع لترف المعارك الجانبية، فالبلد أنهكته الحرب ومزقته المشاريع الصغيرة، وأضعفته الانقسامات التي لم تقتصر على الجغرافيا والسياسة، بل تسللت إلى داخل الأحزاب والقوى التي يفترض أنه يناط بها باستعادة الدولة، ولهذا فإن أي دعوة صادقة لتوحيد الصف، خصوصا داخل المكونات الوطنية الكبرى، يجب أن تُقرأ باعتبارها ضرورة وطنية قبل أن تكون شأن تنظيمي داخلي.

 

ما يلفت المتابع للشأن اليمني والقارئ لرسالة الدكتور بن دغر أنه لم ينطلق من منطق تصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الخلاف، بل من الإقرار بوجود خلل، والتأكيد على أن معالجته لا تكون بمزيد من التشظي وهذه نقطة جوهرية، لأن أخطر ما أصاب الحياة السياسية اليمنية خلال السنوات الماضية بعد الانقلاب الحوثي هو تحول الخلافات الداخلية إلى معاول هدم ذاتي أضعفت معسكر استعادة الدولة.

 

المؤتمر الشعبي العام، بحكم ثقله السياسي والتنظيمي وتاريخه الممتد، ليس حزبا هامشيا يمكن تجاهل تأثير انقساماته، وحضوره أو غيابه، وبالضرورة أن تماسكه أو تفككه ينعكس مباشرة على المشهد الوطني، لذلك فإن الدعوة إلى لم شمله ليست حنينا إلى الماضي، بل إدراك حقيقي بأن القوى الوطنية لا يمكن أن تواجه مشروع منظم ومتماسك كالمشروع الحوثي وهي تعيش حالة تشرذم وإنهاك داخلي.

 

الأهم أن الرسالة تطرح مفهوم مهم غاب عن الجميع طويلا الخطاب السياسي، وهو أن النقد حق لكن الانقسام ليس حل، هذه معادلة تحتاجها كل الأحزاب والقوى السياسية اليمنية اليوم، وليس المؤتمر وحده، لأن الخلاف في ذاته ليس المشكلة لكن المشكلة تكمن حين يتحول الخلاف إلى حالة تآكل مستمرة تمنح الخصم أفضلية مجانية.

 

كما أن توقيت دعوة بن دغر ليس عابر فالمنطقة تمر بتحولات كبيرة والمشهد اليمني نفسه يقف أمام احتمالات إعادة تشكيل سياسية وعسكرية، وفي مثل هذه اللحظات تكون القوى الأكثر جاهزية هي تلك القادرة على ترتيب بيتها الداخلي، وليس الغارقة في نزاعاتها الصغيرة.

 

دعوة بن دغر هذه في جوهرها ليست فقط لاستعادة وحدة المؤتمر، لكنها لتذكير الجميع بحقيقة سياسية بسيطة، أنه لا يمكن بناء دولة بقوى مفككة، ويمكن استعادة وطن بجبهات متصارعة، ويستحيل صناعة سلام عادل فيما معسكر الدولة نفسه عاجز عن إدارة خلافاته بعقلانية.

 

حقيقة إن إننا بأمس الحاجة إلى هذا النوع من الخطاب العقلاني، الذي يغلب منطق الدولة على الحسابات الضيقة، ويعيد تعريف الأولويات بعيدا عن الانفعالات والانقسامات، لأن معركة اليمن الحقيقية لم تعد تحتمل مزيد من التشظي وتتطلب قدرا أكبر من النضج السياسي، والشجاعة في تقديم التنازلات الوطنية لصالح الهدف الأكبر وهو استعادة الدولة وإنهاء المأساة.