الدبلوماسية الموازية في اليمن نفوذ بلا ضوابط وسيادة على المحك
تعد اللقاءات المكثفة التي يعقدها الوزراء والسياسيون اليمنيون مع السفراء الأجانب من أبرز ملامح المشهد السياسي الراهن، وهي ظاهرة تثير تساؤلات جدية حول دلالاتها وأهدافها وانعكاساتها على السيادة الوطنية وصورة الدولة.
في السياق الطبيعي، يفترض أن تخضع القنوات الدبلوماسية لبروتوكولات صارمة تضبط الإيقاع السياسي وتحفظ تماسك القرار الخارجي، غير أن المشهد اليمني يبدو أقرب إلى حالة من “السيولة الدبلوماسية” التي تتجاوز، في كثير من الأحيان، الأطر المؤسسية المتعارف عليها، وتفتح الباب أمام تعدد الخطابات وتضارب الرسائل.
تتباين دوافع المسؤولين اليمنيين وراء هذه اللقاءات، فبالنسبة لكثير منهم، تمثل وسيلة لإثبات الحضور السياسي واكتساب شرعية دولية قد تتجاوز أحيانا تلك المستمدة من التكليف الرسمي.
ومن خلال صور المصافحات والبيانات المشتركة، تُرسل رسائل إلى الداخل والخارج بأن هؤلاء المسؤولين فاعلون ويحظون باهتمام القوى الدولية. كما تُستخدم هذه اللقاءات للبحث عن دعم مالي أو فني لقطاعات بعينها، أو لمحاولة التأثير في مسارات التسوية السياسية بما يخدم مصالح القوى التي يمثلها هؤلاء المسؤولون، خصوصًا في ظل الانقسام السياسي الذي جعل كثيرًا من المسؤولين أقرب إلى تمثيل مكوناتهم الحزبية أو الجهوية، بدلا من تمثيل الدولة بمفهومها الشامل.
في المقابل، يحرص السفراء الأجانب على توسيع دائرة لقاءاتهم لتشمل مختلف الأطراف، بما في ذلك شخصيات تفتقر أحيانا للنفوذ الفعلي. هذا السلوك لا يمكن قراءته باعتباره مجاملة دبلوماسية فحسب، بل يدخل في إطار ما يمكن تسميته “دبلوماسية الاستطلاع”، حيث تسعى الدول إلى بناء فهم مركب للمشهد اليمني عبر التواصل مع أكبر عدد ممكن من الفاعلين.
فاليمن، بحكم موقعه الاستراتيجي وتشابك ملفاته الأمنية والإقليمية، يشكل ساحة لتقاطع المصالح الدولية، ما يدفع الفاعلين الخارجيين إلى تنويع قنوات الاتصال تحسبا لأي تحولات في موازين القوى. كما أن اللقاء بشخصيات “هامشية” قد يحمل في ذاته رسالة سياسية، سواء لطمأنة مكونات معينة أو للإبقاء على خطوط تواصل مفتوحة، فضلا عن توظيف هذه اللقاءات ضمن أدوات “القوة الناعمة” لتعزيز النفوذ الثقافي والاقتصادي.
غير أن استمرار هذه الديناميكية دون ضوابط واضحة يفضي إلى نتائج عكسية، أبرزها إضعاف هيبة الدولة وتشتيت القرار الدبلوماسي وغياب الرؤية الموحدة، وهنا تبرز فجوة حقيقية، فالمشكلة ليست في تعدد اللقاءات بحد ذاته، بل في غياب الإطار الناظم الذي يحولها من أدوات خدمة للمصلحة الوطنية إلى مساحات استعراض سياسي.
من هنا يصبح من الضروري إقرار ضوابط مؤسسية واضحة، في مقدمتها إلزام جميع المسؤولين بتنسيق أي لقاء مع بعثات دبلوماسية عبر وزارة الخارجية فقط، بما يضمن اتساق الخطاب الرسمي.
كما ينبغي حصر مناقشة القضايا السيادية والاقتصادية الحساسة ضمن القنوات المختصة، مع اعتماد آلية تقارير دورية تُرفع إلى مجلس الوزراء لتقييم مخرجات هذه اللقاءات ومتابعة الالتزامات الناشئة عنها.
المشكلة لا تكمن في تعدد اللقاءات الدبلوماسية بحد ذاتها، بل في تحوّلها إلى قنوات موازية تُمارَس من خلالها أدوار تتجاوز الإطار المؤسسي لصناعة القرار، فحين تُدار ملفات حساسة عبر مسارات غير منضبطة، يتراجع مركز الدولة لصالح شبكات تواصل فردية لا تخضع لمعايير المساءلة أو وحدة التوجه.
إن استعادة الانضباط الدبلوماسي ليست مسألة شكلية أو بروتوكولية، بل شرط جوهري لإعادة بناء الدولة، وضمان أن تُدار علاقاتها الخارجية وفق رؤية موحدة، ومن داخل مؤسساتها الرسمية، لا عبر قنوات متناثرة تفتقر إلى الشرعية المؤسسية والرقابة الفاعلة.