09 مارس 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
سامي الحميري
سامي الحميري
09 مارس 2026

 حين يصبح "الفيسبوك" نافذة للحرية: قراءة في مبادرات إب لإطلاق السجناء المعسرين

 

 

تعد مدينة إب، "الخضراء" بطبيعتها والولادة بروح التكافل، نموذجاً فريداً في تطويع التكنولوجيا لخدمة القضايا الإنسانية الأكثر تعقيداً، ففي الوقت الذي تضج فيه منصات التواصل الاجتماعي بالصراعات الجانبية، برزت في إب تجربة ملهمة قادها الناشطان ماجد ياسين وعلي السياغي، حولت صفحات "الفيسبوك" من مجرد منصات للنشر إلى "غرف عمليات" إنسانية نجحت في كسر قيود السجون عن عشرات المعسرين الذين تقطعت بهم السبل.

 

أرقام تعيد صياغة الأمل

إن ما حققته هذه المبادرات ليس مجرد أرقام عابرة، بل هو استعادة لحياة أفراد قضوا زهرة شبابهم خلف القضبان لأسباب مادية بحتة، وتشير البيانات المجمعة من مسار هذه الحملات إلى نجاحات مذهلة، حيث تم الإفراج عن أكثر من 30 سجيناً غارماً ومعسراً من السجن المركزي والاحتياطي.

وشملت هذه الحالات سجناء قضوا فترات طويلة خلف القضبان، فبعضهم أمضى أكثر من 27 و 17 و 14 سنة، وأغلبهم استمر سجنهم سنوات طويلة حتى بعد انتهاء محكوميتهم بسبب العجز المادي.

 

وتبرز سرعة الاستجابة المجتمعية كأحد أبرز سمات هذه المبادرات، ففي إحدى الحالات، تم جمع  25 مليون ريال يمني في يوم واحد فقط، مما أدى إلى الإفراج عن خمسة سجناء دفعة واحدة. وفي مثال آخر، اكتملت مبالغ تصل إلى أكثر من  3 ملايين ريال في غضون 3 ساعات فقط، مما يدل على التفاعل الكبير والتعاطف المجتمعي.

 

لقد كانت حالة السجين عبدالولي العثماني، الذي قضى 6 سنوات خلف القضبان، نموذجاً حياً لهذا التكاتف، حيث تم دفع مبلغ مليوني ريال بتبرع سخي من فاعلي خير، ليعود إلى أسرته بعد سنوات من الغياب.

كما برزت حالة "المعلم السجين" الذي ظل محتجزاً لـ 4 سنوات إضافية بعد انتهاء محكوميته بسبب عجز مادي، قبل أن تتدخل المبادرة وتجمع المبلغ المطلوب في ساعات معدودة، ونماذج كثير يصعب حصرها في هذه الوقفة.

 

لماذا نجح ياسين والسياغي؟

لم يكن النجاح وليد الصدفة، بل استند إلى ركيزتين أساسيتين هما  الثقة والشفافية، لقد استطاع ماجد ياسين، بخلفيته كصحفي ورئيس لمؤسسة "عطاء"، والقاضي علي السياغي، بمكانته الاجتماعية والقانونية، أن يقدما نموذجاً للمؤثر الذي يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.

إن تحويل المبالغ الكبيرة إلى مساهمات صغيرة ومجزأة أتاح لجميع فئات المجتمع المشاركة، مما جعل من قضية السجناء هماً جماعياً وليس مجرد عبء على كبار التجار.

هذا الأسلوب في "تجزئة الأمل" جعل من كل متابع لصفحاتهم شريكاً في صناعة لحظة الحرية، وهو ما يفسر سرعة الاستجابة التي فاقت في كثير من الأحيان الإجراءات البيروقراطية الرسمية.

 

دعوة للمؤثرين ورجال الخير

إن هذه التجربة في إب تضع جميع المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي أمام اختبار حقيقي. فالملايين من المتابعين الذين يمتلكهم المشاهير هم "رأس مال إنساني" يجب استثماره في قضايا تمس حياة الناس بشكل مباشر.

 

نحن اليوم ندعو رجال الخير والمؤثرين في كافة المحافظات للحذو حذو هذه المبادرة، وتحويل صفحاتهم إلى منابر للوعي والتكافل، إن سجن إنسان بسبب "دين" في ظل ظروف اقتصادية قاهرة هو جرح في جسد المجتمع، وتضميده لا يتطلب معجزات، بل يتطلب فقط "إرادة" و"منصة" صادقة.

 

ختاماً، ستبقى مبادرة إب الإباء والشهامة والرحمة شاهداً على أن الخير في هذا الشعب لا ينضب، وأن "الفيسبوك" يمكن أن يكون باباً للفرج إذا ما وجد من يطرق عليه بصدق ونزاهة.

تحية لماجد ياسين وعلي السياغي ولكل يد خفية ساهمت في رسم البسمة على وجوه أسر السجناء المفرج عنهم.