تتربى الوحشية في ظل السلاح والإفلات من العقوبة
الوحوش البشرية بيننا، يجولون ببهائميتهم حولنا، ويشاركوننا تفاصيل حياتنا اليومية. ينفذون إلى رغباتهم عبر الأخاديد التي تُخلّفها أمراض حياتنا اليومية: الانشغال، والتجاهل، والتغاضي. ويظلون تحت حصارٍ عام من القيم والممارسات الاجتماعية، حتى تستيقظ بهائميتهم على الضعيف والهش وغير القادر على حماية نفسه، في مواجهة القوة والموارد بالقوة أو الموارد .
لكنهم قد يخرجون من دائرة المحدود إلى الغطرسة إذا وجدوا بيئة تتيح لهم ذلك، بل وقد يصنعونها بأيديهم.
بيئة العنف هي مكانهم المفضل، والعنف له حاضنته، وقد تكون له مؤسسة تحتويه وترعاه. والجماعات المسلحة المنفلتة من القانون، والمستقوية بالسلاح والإفلات من العقاب، هي الراعي الرسمي لمثل هؤلاء؛ لأنها، بتجبّرها على الناس، وتوفيرها الحماية للقتلة بذريعة الدفاع عن “القضية” — أيّ قضية — توفر الحماية أيضاً للمرضى والوحوش من هذا النوع.
أرى الجريمة انحطاطاً ذاتياً، لكنها تنشأ وتنمو وتتطور داخل إطار اجتماعي ومؤسسي في بيئات العنف والاحتراب. وهذا الطغيان على الباعة المتجولين، والعمال العُزّل، والطلبة، الذي تغاضى عنه البعض، أو تلذذ به لشرور نفسه الكامنة وشهوة الانتقام وإذلال الآخرين، سيغرق فيه المجتمع بأكمله؛ لأنه صمت عن انتهاكٍ ظنه بعيداً عنه، ولم يتوقع أنه سيبلغ داره ويصيب أبناءه وأهله.
هذا هو ثمن غياب الدولة، والقبول بملشنة الحياة العامة.
أما المكان الآخر الأكثر ملائمة للجريمة فهو المدينة، حيث تتفكك العلاقات الاجتماعية القائمة على الجوار والقرابة، لصالح علاقات تقوم على الحماية المؤسسية والنظام والقانون. فماذا يحدث إذا كان حامي القانون هو نفسه صانع الجريمة الأول؟ وإذا كان هو من لوى عنق القانون والقوة والسلطة لخدمة وحشيته؟
هذا لا يعني ان الريف أنقى وأكثر براءة. فله جرائمه من انتهاك الطفولة والنساء والقصر.
إن جريمة اغتصاب طفل في عدن — وليس تحرشاً، بل اغتصاباً مع سبق الإصرار والتصوير — على يد ضابط قام بتوثيق فعلته، هي جريمة لا ينبغي السكوت عنها، كما لا ينبغي تعميمها على منطقة بأكملها. بل يجب فهمها لا بوصفها ملازمة لجماعة بعينها مثل المجلس الانتقالي او الدائرة الضيقة المحيطة يعيدروس، وإنما باعتبارها نتيجة طبيعية لأي جماعة منفلتة من القانون، ترى نفسها فوقه.
جماعات أباحت لنفسها استخدام السلاح ضد العُزّل، وجمعت حولها قتلة ومجرمين وقدّمتهم إلى الصفوف الأولى؛ لأنها تستثمر في العنف، فتتحول الجماعة إلى حامٍ للمعتدي على الأرض، وبالتالي للمعتدي على العرض.
ليست هذه الجريمة الوحيدة، وليست عدن أول مكان يشهد مثل هذه الجرائم. فهي تتكرر في أكثر من مكان، لكن الفارق هنا أن الوحشية بلغت منتهاها، حتى بدت وكأنها تقليد فجّ لجرائم إبستين ومن على شاكلته.
وما يؤسف له أن المجتمع يعيش تحت خدر الاستقطاب، ويتفاعل مع القضايا بانتقائية، وبرغبة في التوظيف السياسي والمناطقي، لا من أجل حماية الضعيف والهش، ولا من أجل حماية المجتمع نفسه.
الحرب اخرجت أمراضنا إلى العلن. وليس هناك دواء إلا دولة قانون، لا الدعوة إلى التشظي والميليشيات.
لقد انفجر صُنْفُور الخبث في وجه الجميع، وحان الوقت لمعالجته، لا للتعايش معه أو تبريره أو استخدامه في الخصومات السياسية.
- نقلاً عن صفحة الكاتب في فيسبوك