الثأر والتقطعات في اليمن.. من النزاعات القبلية إلى تهديد الأمن والاقتصاد
تحولت ظاهرتا الثأر والتقطعات في اليمن خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أخطر التحديات التي تهدد المجتمع والدولة، في ظل استمرار الحرب، وضعف مؤسسات القضاء والأمن، واتساع نفوذ الجماعات المسلحة والأعراف القبلية على حساب سلطة القانون.
وبينما كانت قضايا الثأر تاريخياً محصورة في نطاقات قبلية واجتماعية ضيقة، أدت سنوات الصراع والانهيار الاقتصادي إلى تفاقمها واتساع رقعتها، بالتزامن مع تصاعد ظاهرة التقطعات المسلحة في الطرق الرئيسية، ما جعل حياة المواطنين والتنقل بين المحافظات محفوفة بالمخاطر.
الثأر.. نزاعات لا تنتهي
يمثل الثأر في اليمن واحداً من أكثر الملفات الاجتماعية تعقيداً، حيث تتوارث بعض العائلات والقبائل نزاعات تمتد لعقود طويلة، تبدأ غالباً بحادثة قتل أو خلاف قبلي، ثم تتوسع تدريجياً لتشمل أجيالاً كاملة.
وفي محافظات مثل مأرب والجوف والبيضاء وشبوة، لا تزال الأعراف القبلية تلعب دوراً رئيسياً في إدارة النزاعات، بينما تعاني مؤسسات الدولة من ضعف القدرة على فرض القانون أو حسم القضايا عبر القضاء.
وتتسبب قضايا الثأر في سقوط ضحايا جدد من الطرفين، وغالباً ما يكون بعضهم لا علاقة مباشرة له بالنزاع الأصلي، كما تؤدي إلى نزوح أسر كاملة وإغلاق مدارس وحرمان أطفال من التعليم خوفاً من الانتقام.
ويرى مختصون اجتماعيون أن انتشار السلاح، وتعثر القضاء، والفقر، والأمية، وتراجع دور المؤسسات التعليمية والثقافية، كلها عوامل أسهمت في استمرار الظاهرة وتغذية ثقافة العنف والانتقام.
الحرب فاقمت الأزمة
أدت الحرب المستمرة منذ عام 2015 إلى تعقيد المشهد بصورة غير مسبوقة، إذ تراجع حضور الدولة في كثير من المناطق، مقابل تصاعد نفوذ القبائل والجماعات المسلحة، ما وفر بيئة خصبة لتوسع النزاعات القبلية.
كما ساهم الانفلات الأمني في ارتفاع معدلات جرائم القتل، بينما زاد انتشار الأسلحة المتوسطة والثقيلة من خطورة المواجهات المرتبطة بالثأر، لتتحول بعض النزاعات إلى اشتباكات واسعة تسقط فيها أعداد كبيرة من الضحايا.
وتشير تقديرات محلية إلى أن بعض مناطق النزاعات القبلية باتت شبه مغلقة أمام تدخل الدولة، في ظل احتكام الأطراف إلى التحكيم القبلي بدلاً من القضاء الرسمي.
التقطعات.. تهديد يومي للمسافرين
إلى جانب الثأر، تصاعدت ظاهرة “التقطعات” كإحدى أبرز صور الفوضى الأمنية في اليمن، حيث تتكرر عمليات قطع الطرق الرئيسية بين المحافظات من قبل مسلحين قبليين أو جماعات خارجة عن القانون.
وتتخذ التقطعات أشكالاً متعددة، أبرزها نصب نقاط مسلحة مفاجئة، أو احتجاز شاحنات النقل والمواطنين، أو إغلاق الطرق بالحواجز والأطقم المسلحة، وغالباً ما تستخدم كوسيلة ضغط في قضايا قبلية أو للمطالبة بالإفراج عن محتجزين أو تحصيل مطالب مالية.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت عدة محافظات حوادث تقطع استهدفت شاحنات نقل وباصات ومسافرين، خصوصاً في الطرق الرابطة بين المحافظات الجنوبية والشرقية.
ومن أبرز الأمثلة، قيام مسلحين قبليين في محافظة شبوة بقطع الطريق أمام ناقلات الغاز المتجهة إلى عدن، وإعطاب إطارات عدد من المقطورات ومنعها من مواصلة السير، ما تسبب في تعطيل الإمدادات وإثارة مخاوف من أزمة تموين جديدة.
كما شهدت الطرق الرابطة بين مأرب وحضرموت وعدن حوادث تقطع متكررة استهدفت شاحنات نقل الوقود والبضائع، ما انعكس بشكل مباشر على حركة التجارة وارتفاع تكاليف النقل وأسعار السلع.
مأرب.. مركز الثأر والتقطعات
تعد محافظة مأرب من أكثر المحافظات التي تشهد تداخلاً بين قضايا الثأر والتقطعات، نظراً لطبيعتها القبلية وأهميتها الاقتصادية والعسكرية، باعتبارها مركزاً رئيسياً لإنتاج النفط والغاز وملتقى للطرق الحيوية.
وخلال السنوات الأخيرة، سجلت المحافظة عشرات الحوادث المرتبطة بالنزاعات القبلية وقطع الطرق، حيث تلجأ بعض القبائل إلى احتجاز قاطرات النفط والغاز أو إغلاق الخطوط الدولية للضغط في قضايا ثأر أو مطالب قبلية.
كما شهد خط مأرب ـ العبر عدة عمليات تقطع استهدفت شاحنات النقل، في ظل صعوبة فرض السيطرة الأمنية الكاملة على الطرق الصحراوية الممتدة.
وفي بعض الحالات، تتطور الخلافات القبلية في مأرب إلى مواجهات مسلحة تستخدم فيها أسلحة متوسطة وثقيلة، ما يؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى ونزوح أسر من مناطق الاشتباكات.
ويرى مراقبون أن التوسع العمراني الكبير الذي شهدته مأرب خلال الحرب، واستقبالها لمئات آلاف النازحين، خلق تحديات اجتماعية وأمنية إضافية، مع تزايد الضغوط الاقتصادية وتداخل النفوذ القبلي والعسكري.
انعكاسات اقتصادية واجتماعية خطيرة
لا تتوقف آثار الثأر والتقطعات عند الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع، حيث تتأثر حركة التجارة ونقل البضائع، وتتعطل الإمدادات بين المحافظات، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية.
كما تدفع النزاعات القبلية كثيراً من الأسر إلى النزوح أو حرمان أبنائها من التعليم، بينما تتراجع ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة لصالح الأعراف القبلية والجماعات المسلحة.
ويحذر مختصون من أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات الثأر غالباً ما يتشبعون بثقافة الانتقام، ما يهدد بإعادة إنتاج العنف عبر الأجيال.
الوساطات القبلية ومحاولات الاحتواء
ورغم تعقيد المشهد، لعبت الوساطات القبلية دوراً مهماً في احتواء كثير من النزاعات، من خلال اتفاقات الصلح والتحكيم القبلي، خصوصاً في المناطق التي تغيب فيها مؤسسات الدولة.
وتنجح بعض المبادرات المجتمعية في إنهاء قضايا ثأر استمرت سنوات طويلة، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة أمام اتساع رقعة النزاعات واستمرار الانفلات الأمني.
الحاجة إلى حلول شاملة
يرى مراقبون أن معالجة ظاهرتي الثأر والتقطعات تتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية المؤقتة، وتشمل إصلاح القضاء، وتعزيز حضور الدولة، وضبط انتشار السلاح، وتسريع البت في القضايا الجنائية، إضافة إلى دعم برامج التوعية المجتمعية وتعزيز دور التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية في نشر ثقافة التسامح وسيادة القانون.
كما يؤكد مختصون أهمية تحسين الأوضاع الاقتصادية وخلق فرص عمل للشباب، باعتبار الفقر والبطالة من أبرز العوامل التي تغذي العنف والانخراط في النزاعات المسلحة.
وفي ظل استمرار الحرب والانقسام السياسي، تبقى ظاهرتا الثأر والتقطعات مؤشراً واضحاً على عمق الأزمة التي يعيشها اليمن، وتحدياً كبيراً أمام أي جهود لإعادة بناء دولة مستقرة تقوم على القانون والمؤسسات، بعيداً عن منطق السلاح والانتقام.