مصر واليمن.. الأمن القومي على امتداد البحر الأحمر
لم يُغلق أحد قناة السويس سنة 2024. بقيت مفتوحة وجاهزة لاستقبال السفن، ومع ذلك هبطت إيراداتها من نحو 10.25 مليار دولار في 2023 إلى نحو أربعة مليارات، لأن الخطر الذي غيّر حسابات شركات الشحن نشأ على بعد أكثر من ألفي كيلومتر جنوبًا، عند مدخل البحر الأحمر. وفي هذه الفجوة بين موضع القناة وموضع الخطر يقع جوهر الجدل المصري الراهن حول دعم السعودية.
أعاد إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداد مصر لدعم القدرات الدفاعية للسعودية، وقرار مجلس الدفاع الوطني تقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة، فتح النقاش حول المشاركة العسكرية ومخاطرها. وقد حدد الرئيس المصري المهمة المقترحة بالدفاع عن المملكة، ونفى التوجه لمهاجمة اليمن.
غير أن وضع المسألة بهذه الصيغة يستدعي التمييز بين اليمن وجماعة الحوثي؛ فالسعودية تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في مواجهة جماعة مسلحة انقلبت عليها، وصنفتها السلطات اليمنية والولايات المتحدة منظمة إرهابية. واختزال هذا الصراع في مواجهة بين السعودية واليمن يمنح الحوثيين صفة تمثيل البلد الذي استولوا على مؤسساته، ويخدم روايتهم عن حرب خارجية تستهدفه.
استدعت أصوات مصرية تجربة الستينيات للتحذير من العودة إلى اليمن، وكأن الحكم على التدخل المصري آنذاك بالفشل قد حُسم. تحملت مصر كلفة ثقيلة، وأسهم دعمها في حماية الجمهورية الوليدة، التي بقيت بعد انسحاب قواتها، وفي بناء مؤسسات الإدارة والتعليم والتدريب والخدمات. وهذه حصيلة تمنع اختزال التجربة في الاستنزاف، بينما تحتاج مسؤولية حرب اليمن عن هزيمة يونيو 1967 إلى إثبات صلاتها السببية ووزنها بين أسباب الهزيمة.
تتحرك مصر اليوم في سياق تتقاطع فيه مصالحها مع السعودية والدولة اليمنية. فأمن السعودية وانتظام الملاحة يتصلان بموارد مصر وموانئها وقيمة موقعها، ويمنحها التعاون مع البلدين قدرة على مواجهة الخطر حيث يتولد، والمشاركة في ترتيبات ما بعد الصراع. ولهذه المصالح تاريخ طويل، تغيرت أدوات تأمينها بتغير القوى والتقنيات وموازين النفوذ.
من خليج عدن تدخل السفن باب المندب، ثم تصعد البحر الأحمر بمحاذاة اليمن والسعودية شرقًا، والقرن الإفريقي والسودان ومصر غربًا، قبل أن يتفرع البحر شمالًا نحو السويس والعقبة. وتفصل المضيق عن السويس نحو 2200 كيلومتر بخط مستقيم، بينما تتصل مصالح مصر بأمن الطريق كله.
وقد سبقت هذه العلاقة قناة السويس بقرون، حين انتقلت البضائع من موانئ البحر الأحمر عبر الصحراء الشرقية إلى النيل، ومنه إلى المتوسط. ثم اختصرت القناة الطريق، ووسعت طاقته، وزادت وزن مدخله الجنوبي في الحساب المصري.
ما قيمة موقع مصر بدون القناة، وما قيمة القناة بدون باب المندب؟ فمصر جسر بين إفريقيا وآسيا، وتطل على المتوسط والبحر الأحمر، وقد ثبتت أهمية موقعها قبل القناة بقرون. ثم جعلته القناة عقدة في التجارة العالمية وموردًا اقتصاديًا استراتيجيًا، إذ كان يمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية قبل اضطرابات الملاحة. وبدونها تبقى الجغرافيا والسكان والنيل وحدود الجوار، وتفقد مصر موردًا مباشرًا للنفوذ والإيراد، مع استمرار وظائف أخرى للموقع، منها نقل الطاقة عبر خط سوميد.
أما القناة بدون باب المندب فوصلة في منظومة تتأثر بأمن مدخلها الجنوبي، الذي يقع خارج السيادة المصرية. وقد أعادت شركات الشحن حساب مخاطر العبور والتأمين، واختار بعضها الالتفاف حول إفريقيا. وقدّر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في سبتمبر 2026، خسائر مصر المتراكمة من اضطرابات الملاحة منذ اندلاع الأزمة بنحو 11 مليار دولار.
لم تتوقف حركة القناة، لكن تراجع إيراداتها أظهر مقدار تعرضها لاضطراب الطريق الجنوبي، حتى مع استمرار بعض السفن في العبور. وترتبط بالمضيق تجارة رئيسية بين آسيا وأوروبا. وقد تعافت الإيرادات جزئيًا، فبلغت في أغسطس 2026 نحو 567 مليون دولار، وظلت توقعات العام، بين 5.8 و6 مليارات، دون مستوى ما قبل الأزمة. ويرتبط جانب من التحسن بإعادة توجيه شحنات الطاقة بسبب اضطراب هرمز؛ لذلك لا يكفي وحده للدلالة على استقرار البحر الأحمر.
استطاعت جماعة الحوثي المتمركزة في أجزاء من البر والساحل اليمني التأثير في عائد موقع مصري دون الاقتراب من القناة. فالضغط على استخدام الطريق قد يتحقق برفع كلفته، حتى مع استمرار الملاحة فيه. وفي منطق الجيوبوليتيك يُقرأ الممر البحري من طرفيه معًا؛ فمن يستطيع تعطيل مدخله يملك وسيلة للتأثير في مخرجه ولو تباعدت المسافة بينهما. وتقف مصر عند الطرف الشمالي، بينما يقع المدخل الجنوبي خارج حدودها، وقد أسهمت هذه العلاقة في تشكيل مصالحها في اليمن عبر العصور.
دخل الإسكندر المقدوني مصر سنة 332 قبل الميلاد، وانتزعها من الأخمينيين، ولم يصل إلى اليمن، وظلت استعداداته المتأخرة تجاه الجزيرة العربية دون تنفيذ عند وفاته سنة 323 قبل الميلاد. بعده استثمر البطالمة في الموانئ والطرق ومحطات المياه التي تصل البحر الأحمر بالداخل المصري، وكان ميناء برنيكي من أبرز حلقات هذه الشبكة. وتوقفت قيمة الميناء على انتظام اتصاله بالنيل والأسواق المتوسطية، وعلى قدرته على استقبال التجارة القادمة من الجنوب.
وفي جنوب الجزيرة العربية امتلكت ممالك سبأ ومعين وقتبان وحضرموت، ثم حمير، مواردها وطرقها ومصالحها التجارية. لذلك لا يستقيم تاريخ الطريق إذا ظهر اليمن محطة تنتظر القوى الكبرى؛ فقد فاوض حكامه وتجارُه، وتحالفوا، وحددوا شروط الانتفاع بموانئهم وأسواقهم. وكانت الشراكة معهم وسيلة للوصول إلى التجارة، بينما حمل إخضاعهم حسابات أخرى.
اختبرت حملة إيليوس غالوس حدود نقل القوة من مصر إلى الداخل اليمني. فبعد ضم مصر إلى روما سنة 30 قبل الميلاد، أرسلت الإمبراطورية الحملة نحو جنوب الجزيرة العربية في سنتي 26 و25 قبل الميلاد. وانتهت بالفشل على أسوار مارب، بعدما استهلك المرض وصعوبة المسالك والإمداد قدرة الجيش؛ فقد امتلكت روما موارد مصر وموانئها، وعجزت عن تحويلها إلى سيطرة مستقرة في بيئة لم تعرفها بما يكفي.
ويقدم «الطواف حول البحر الإرتري»، الذي وضعه مؤلف مجهول في القرن الأول الميلادي، صورة لهذه الشراكة. يصف موانئ موزع وعدن وقنا، ويسجل السلع ومسالك الملاحة، ويذكر اتصالات ملك يقيم في ظفار بالأباطرة عبر السفارات والهدايا. وتظهر فيه سلطات يمنية تدير مصالحها داخل شبكة واسعة، أمكن الانتفاع بها دون احتلال أرضها.
وفي أواخر العصور القديمة تداخلت تجارة البحر الأحمر بصراعات حمير وأكسوم وبيزنطة والدولة الساسانية. فتدخلت أكسوم في اليمن في القرن السادس ضمن تقارب مع بيزنطة، التي كانت مصر تحت حكمها، ثم أنهى التدخل الساساني الحكم الأكسومي في أجزاء من اليمن، وبعد عقود احتل الساسانيون مصر، ابتداءً من سنة 618 أو 619.
ينتمي هذا الحضور الفارسي المشترك إلى العهد الساساني؛ أما الأخمينيون الذين حكموا مصر قبل الإسكندر فلا يقابل حكمهم دليل مماثل على إخضاع اليمن. كذلك لا يثبت التزامن الساساني خطة موحدة للسيطرة على البحر. ويفيد منظور المؤرخ تيموثي باور، في «البحر الأحمر من بيزنطة إلى الخلافة»، في قراءة البحر إقليمًا تتصل فيه الموانئ بطرق الداخل ومراكز الإنتاج، وتدخل فيه الضفة الإفريقية طرفًا في توازن المنطقة.
ومع انتشار الإسلام في اليمن وفتح مصر، دخل البلدان مجال الدولة الإسلامية عبر العصور الراشدية والأموية والعباسية. وعندما تراجعت سلطة الخلافة، تعاقب الطولونيون والإخشيديون في مصر، وتوزعت السلطة في اليمن بين الزياديين واليعفريين والحكام الزيديين وقوى محلية أخرى، واستمرت التجارة والحج والعلم في وصل المنطقتين. وبعد انتقال مركز الحكم الفاطمي إلى مصر سنة 969، اتخذ النفوذ صيغة مميزة عبر الدولة الصليحية: اعتراف بالخلافة في القاهرة مع حكم يمني امتلك مؤسساته وقدرته على التصرف، وتبرز سيرة الملكة أروى الصليحية هذه المساحة من الاستقلال.
ثم انتقل الأيوبيون إلى التدخل العسكري والحكم المباشر؛ فأرسل صلاح الدين أخاه توران شاه سنة 1174، ووصلت قواته إلى زبيد وعدن ومراكز أخرى، لاعتبارات سياسية ومذهبية ومالية وأهمية الطرق الجنوبية لقوة استقرت قاعدتها في مصر. وأعقبهم الرسوليون ثم الطاهريون، فتطورت التجارة في ظل دول يمنية امتلكت مصالحها الخاصة، وظل الجمع بين الميناء والمرتفعات تحديًا متكررًا: فامتلاك الساحل يفتح الموارد والاتصالات، ويحتاج تثبيت السلطة في الداخل إلى تحالفات وترتيبات إضافية.
وعندما دخل البرتغاليون المحيط الهندي، تعرضت الطرق التي تغذي تجارة مصر المملوكية لضغط جديد، فتحرك المماليك في البحر الأحمر واليمن، ثم ورث العثمانيون جانبًا من المواجهة بعد استيلائهم على مصر سنة 1517. ومن مصر انطلقت حملة واليها سليمان باشا الخادم سنة 1538، واستولت على عدن ضمن مسعى لمواجهة البرتغاليين وتثبيت النفوذ العثماني. غير أن الوصول إلى الموانئ لم يحسم الصراع في الداخل، وانتهى الوجود العثماني الأول في اليمن سنة 1635. كان الضغط البرتغالي على الطريق الجنوبي يمس تجارة مصر ومواردها، فيما ظل تثبيت الحكم في اليمن مرتبطًا بموازين القوة والتحالفات داخلها. فحماية الطريق وإدارة الأرض مهمتان تختلفان في أدواتهما وكلفتهما.
أعادت الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 إظهار الترابط بين طرفي البحر الأحمر. قرأت بريطانيا تقدم نابليون من زاوية الخطر على طريق الهند، فأرسلت شركة الهند الشرقية البريطانية قوة احتلت جزيرة ميون اليمنية عند باب المندب مؤقتًا سنة 1799، بعيدًا عن ميدان الحملة الفرنسية. لكن شح المياه وصعوبة الإمداد وعجز المدافع عن التحكم في كامل الممر حدّت من جدوى الاحتلال؛ فميون تقسم المضيق إلى ممرين مختلفين في الاتساع والعمق. منحت الجزيرة فرصة استراتيجية، وحددت المياه والإمدادات ومديات السلاح مقدار استثمارها.
وفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر امتدت قوات محمد علي باشا إلى تهامة، بينما كانت بريطانيا تثبت موقعها في عدن، التي احتلتها شركة الهند الشرقية في يناير 1839. ثم انسحبت القوات المصرية من تهامة سنة 1840 في إطار التسوية الأوروبية التي قلصت نفوذ محمد علي خارج مصر.
عاد العثمانيون إلى تهامة سنة 1849، واستعادت بريطانيا ميون سنة 1857، ثم انتقلت صلاحيات شركة الهند الشرقية الحكومية إلى التاج البريطاني سنة 1858، وبقيت عدن مرتبطة بإدارة الهند البريطانية. وبعد افتتاح قناة السويس سنة 1869 ازدادت أهمية الربط بين القواعد البريطانية في اليمن والطرف الشمالي للبحر الأحمر. وفي سنة 1872 دخل العثمانيون صنعاء وأعادوا تنظيم ولاية اليمن.
وهكذا سبق بدء الاحتلال البريطاني في اليمن، باحتلال عدن سنة 1839 ثم التوسع في المحميات، احتلالَ بريطانيا مصر سنة 1882 بثلاثة وأربعين عامًا. ولا يثبت التسلسل وحده علاقة سببية بين الحدثين، لكنه يبين دخول الطرفين في حساب إمبراطوري واحد. واستمر الحكم العثماني في اليمن حتى 1918، وأصبحت عدن سنة 1937 مستعمرة تديرها لندن مباشرة. ومع السفن البخارية ومحطات الفحم والتلغراف اكتسبت المواقع وظائف متكاملة في حماية الطريق وإمداد الأساطيل. ويساعد مفهوم الزمن الطويل عند فرناند بروديل على تفسير هذا التراكم: تستمر مسالك في جذب التجارة والقوة، وتتغير وسائل استثمارها؛ فالساحل الذي احتاج التأثير منه في الملاحة إلى قواعد وسفن كبيرة يمكن اليوم استخدام أجزاء منه لإطلاق صواريخ ومسيّرات بكلفة أقل كثيرًا.
وفي القرن العشرين اتخذ تقاطع المصالح صيغة تعاقدية. أقر مجلس جامعة الدول العربية معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي سنة 1950، ووقعت مصر والسعودية اتفاقية دفاع مشترك في 27 أكتوبر 1955، ثم أبرمت الدولتان مع المملكة المتوكلية اليمنية اتفاقية ثلاثية في جدة في أبريل 1956. جمعت الاتفاقية عبد الناصر والملك سعود والإمام أحمد، على اختلاف أنظمة حكمهم، في ترتيب أمني سبق انقسام الستينيات.
ورث عبد الناصر منطقة ما زالت بريطانيا تحتل فيها عدن، ونظامًا عربيًا تتنافس داخله مشروعات الحكم والتحرر والتحالف مع القوى الكبرى. وعندما دعمت مصر ثورة 26 سبتمبر 1962، التقت مساعدة اليمنيين على الخروج من العزلة والحكم الإمامي مع حسابات النفوذ والأمن ومواجهة الاستعمار. وكان قيام جمهورية بجوار عدن يمس مستقبل الحضور البريطاني في جنوب الجزيرة العربية. وشارك مئات المستشارين المدنيين المصريين، من خبراء ومديرين ومدرسين، في بناء مؤسسات الإدارة والتعليم والتدريب إلى جانب القوات. ولليمنيين مشروعهم وأسبابهم في طلب المساعدة؛ فقد واجهوا نظامًا قيّد المشاركة السياسية وكرّس امتياز النسب في أهلية الحكم، في مجتمع عانى ضعف التعليم والخدمات وانتشار الفقر والمرض.
فرض اتساع الحرب وأعباء الإمداد والتنافس المصري السعودي كلفة ثقيلة على مصر. ويضع جيسي فيريس، في «مغامرة ناصر»، حرب اليمن في مركز تفسير تراجع القوة المصرية والظروف التي أفضت إلى يونيو 1967. وقد وافق سليم يعقوب على أهميتها في تفسير هذا التراجع، لكنه تحفظ على مدى إثبات صلتها المباشرة بالقرارات التي قادت إلى حرب يونيو، ونبه ج. إ. بيترسون إلى محدودية حضور السياسة اليمنية المحلية في الرواية. ويتطلب التقييم فصل مشروعية مساعدة الجمهورية عن كفاءة إدارة الحرب، وفصل الأمرين عن تحديد مسؤولية حرب اليمن عن الهزيمة اللاحقة. فما تتركه الدولة من مؤسسات وعلاقات وثقة بين الشعوب يدخل في حساب السياسة الخارجية إلى جانب الكلفة العسكرية، ويبقى بعد انتهاء الحملات.
وفي أكتوبر 1973 استخدمت مصر العلاقة باليمن في مهمة مختلفة. فبالتعاون مع اليمن الجنوبي فرضت حصارًا عند باب المندب على الملاحة المتجهة إلى إسرائيل، ثم أصبح رفعه بندًا في التفاوض على وقف إطلاق النار وإمداد الجيش الثالث والعودة إلى خطوط 22 أكتوبر، كما توثق مذكرة أمريكية مؤرخة في 3 نوفمبر 1973. كانت قناة السويس مغلقة منذ حرب يونيو 1967 حتى إعادة افتتاحها سنة 1975. ومع ذلك أتاح التعاون مع اليمن الجنوبي لمصر التأثير في حركة خصمها وفي مفاوضات تتصل بجبهتها عند السويس وسيناء، فتجاوزت وظيفة المضيق حماية إيراد القناة إلى توسيع الخيارات العسكرية والدبلوماسية.
تكررت في هذا التاريخ ثلاثة أنماط: شراكة مع القوى اليمنية لتأمين الطريق وتوزيع كلفته، وتحركات عسكرية من مصر نحو اليمن تحدد نتائجها الجغرافيا وموازين الداخل، وتمركز قوى منافسة عند المدخل الجنوبي ينتقل أثره إلى مصر. وتختلف نتائج هذه الأنماط بحسب الهدف والقدرة والشريك المحلي.
يخدم الممر أطرافًا كثيرة، وتتصل سلامته اتصالًا مباشرًا بقيمة موقع مصر وإيراد قناتها وخياراتها الاستراتيجية. لذلك يدخل التعاون مع اليمن في حساب المصلحة المصرية، وتُقاس جدواه بقدرته على تأمين الطريق وتحقيق أهداف سياسية قابلة للاستمرار. وتعيد أزمة الملاحة المعاصرة طرح العلاقة بين القوة على الساحل واستخدام البحر. ففي مقاله بمجلة «بروسيدنغز» في مارس 2024، يستعين كيفن د. مكراني بماهان وكوربيت لتفسير قيمة خطوط الاتصال وحدود القوة البحرية. يستطيع الحوثيون منازعة القوى الكبرى استخدام الطريق واستنزاف مواردها في حماية السفن، رغم افتقار الجماعة إلى القدرة على تأمينه بنفسها.
تستطيع الأساطيل اعتراض الهجمات ومرافقة السفن وضرب أهداف، بينما يرتبط استمرار التهديد بقرار القوة الموجودة على اليابسة ومصادر إمدادها وعلاقاتها. لذلك تتوقف فاعلية العمل البحري على اتصاله باستراتيجية أوسع، وتظل طبيعة العمل على اليابسة وحجمه خاضعين للهدف والقدرات والظروف؛ فلا تُستنتج من حدود القوة البحرية وحدها ضرورة حملة برية واسعة. ويشرح توماس شيلينغ كيف تتحول القدرة على إيقاع الضرر إلى وسيلة لانتزاع تنازلات، ويضيف روبرت كيوهان وجوزيف ناي أن تفاوت كلفة الاستغناء عن مورد أو علاقة يمنح نفوذًا للطرف الأقل تعرضًا للخسارة.
وتدعم وقائع هذا العام هذا المنطق. فقد أعلن الحوثيون في أغسطس توسيع استهداف ناقلات النفط السعودية إلى شمال البحر الأحمر، ردًّا على تحويل السعودية صادراتها شمالًا. وأعلنت الجماعة استهداف منشآت للطاقة في ينبع وجازان، ثم أصابت ناقلة على بعد نحو 63 ميلًا بحريًا غرب ينبع، الواقعة على مسافة نحو ألف كيلومتر شمال اليمن. وبحسب تقارير صحفية، نقلت السعودية شحنات من ينبع إلى ميناء عين السخنة المصري ثم عبر خط سوميد إلى سيدي كرير على المتوسط. وهكذا يمر المسار البديل الذي يتفادى باب المندب في المياه والموانئ المصرية.
وتشير التطورات الأخيرة على ساحل تعز إلى تصاعد التهديد الحوثي للملاحة وباب المندب، بالتزامن مع تحذيرات موجهة إلى القاهرة من التدخل العسكري، تستحضر تهديدات لأمنها القومي واستقرارها الداخلي للتأثير في قرارها. في تقديري، يتيح ترسخ النفوذ الإيراني عبر الحوثيين عند المدخل الجنوبي مجالًا لضغط قد يمتد إلى الداخل المصري. فاستمرار خسائر الملاحة، إذا تزامن مع ضغوط معيشية وتوترات داخلية، قد يفتح لقوة خارجية فرصة لمحاولة انتزاع تنازلات أو زعزعة الحكم والتأثير في مستقبله. ويتوقف تحقق الاحتمال على حجم الخسائر ومدتها، وقدرة الدولة على امتصاصها، وتماسك مؤسساتها وقاعدتها الداخلية؛ فالجغرافيا تمنح أداة الضغط، وتحدد أوضاع الداخل مقدار أثرها.
تغيرت التحالفات منذ الستينيات. فالسعودية التي ساندت الملكيين اعترفت بالجمهورية العربية اليمنية في يوليو 1970 ودعمت استقرارها، وتؤدي اليوم دورًا رئيسيًا في إسناد الدولة اليمنية والحكومة المعترف بها دوليًا في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران.
ويضع هذا التحول التعاون المصري السعودي اليمني في سياق تتقارب فيه مصالح استعادة الدولة وأمن المنطقة والملاحة. وأقوى اعتراض على المشاركة العسكرية احتمال اتساع المهمة؛ فقد يبدأ الالتزام محدودًا، ثم تنشأ ضغوط لتوسيعه حمايةً للقوات أو تعويضًا لتعثر الشريك، وتستهلك المهمة موارد تحتاج إليها الدولة في الداخل. لذلك يتطلب القرار غاية محددة، ونطاقًا معلومًا، وقيادة واضحة، وتقديرًا للكلفة وشروط المراجعة والإنهاء، ومعرفة بما يستطيع الطرف اليمني تنفيذه. ويقابل ذلك ثمن الانتظار، فقد يسمح للجماعة بتطوير قدراتها وتوسيع إمدادها ورفع كلفة احتوائها، فيما تتآكل الموارد المصرية. وتقوم المفاضلة على مقارنة كلفة التحرك بكلفة استمرار الخطر، واختيار مهمة تتناسب مع القدرة وتحقق أثرًا يمكن الحفاظ عليه.
تختلف مهمات الدفاع الجوي وتأمين الملاحة وتبادل المعلومات والتدريب والإسناد البحري أو الجوي عن الحملة البرية الواسعة. وجمعها تحت كلمة «التدخل» يحجب الفروق التي يحتاج إليها القرار. وما أعلنه الرئيس من حصر الجهد في الدفاع عن الأراضي السعودية يقع ضمن هذا التدرج. وقد شاركت مصر ضمن أربع عشرة دولة في بيان يدعم المبادرة السعودية لتشكيل تحالف بحري دفاعي، أُعلنت في 30 يوليو 2026.
ويحتاج أمن الطريق على المدى الطويل إلى دولة يمنية تدير الساحل والموانئ والجزر، وقوات موحدة تعمل تحت قيادتها. فهذه المؤسسات توفر شريكًا يتحمل مسؤولية الأمن، وينفذ الاتفاقات، ويعالج الظروف التي تسمح بتجدد الهجمات، بالتعاون مع دول المنطقة والشركاء الدوليين.
يتطلب أمن مصر دورًا فاعلًا يشمل الإسناد العسكري المحدد عند الحاجة، بالتنسيق مع السعودية والدولة اليمنية. ويقدم التاريخ معيارًا لتقديره: معرفة الجغرافيا والمجتمع، وتناسب الوسيلة مع الهدف، ووجود شريك يتحمل المسؤولية.
مصر، حين تعمل في الجنوب مع السعودية والدولة اليمنية، تحمي نفسها قبل أن تحمي غيرها. فالقناة التي بدأ بها المقال خسرت أكثر من نصف إيراداتها والخطر بعيد عن منشآتها، والممر الذي يصل باب المندب بالسويس يربط أمن طرفيه. وعندما تنتظم القوات تحت قيادة الدولة اليمنية وتستعيد الموانئ وظيفتها في التجارة، يكتسب أمن البحر الأحمر أساسه الأرسخ، وتستعيد مصر مساحة من القرار تحاول قوى بعيدة تضييقها من شواطئ اليمن.
وإذا كانت القاهرة والرياض واليمن تلتقي اليوم على هذا الطريق، فإن الحد الأدنى من التكامل بينها يغدو نقطة ارتكاز لأمن عربي أوسع، لأن انكشاف أحد أطراف هذا المثلث يضعف الطرفين الآخرين.
- (المصدر أونلاين)
- (فيصل علي صحفي وباحث وكاتب، ورئيس مؤسسة يمنيون الثقافية).