03 اكتوبر 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
د. فيصل علي
د. فيصل علي
03 اكتوبر 2026

سقطت الإمامة.. وبقيت مراتبها

 

انتهى شهر سبتمبر، وانتهت معه الاحتفالات والخطابات وإيقاد الشعلات، وعادت صور الحسابات الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي إلى سابق عهدها. أُغلقت القاعات، وطُويت الأعلام، وأدى كثيرون ما اعتبروه واجبهم السنوي تجاه ثورة 26 سبتمبر.

وهنا يبدأ السؤال الأهم: أين تعيش الثورة بقية العام؟ وكيف يتذكرها الطفل والطالب والشاب والموظف والجندي ورب الأسرة، كلٌّ بحسب عمره وتجربته وموقعه في المجتمع؟

إن تحويل الثورة إلى طقس سنوي يحد من أثرها، وقد يمنح المحتفلين شعورًا بأنهم أدوا واجبهم خلال أيام معدودة.

يتكرر الخطاب، وتُرفع الصور، وتُستعاد الأغاني، ثم يغيب سبتمبر عن المدرسة والجامعة والإعلام والإنتاج الثقافي والنقاش الاجتماعي.

عندها يؤدي الاحتفال وظيفة التخدير الرمزي: يطمئن الجمهوريون إلى حضور الثورة بسبب كثافة ظهورها في أسبوع، فيما تعمل السردية الإمامية المضادة طوال العام في الأسرة والمجلس والمنبر والمدرسة ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

لم تدخل ثورة 26 سبتمبر 1962 الذاكرة اليمنية من باب واحد. دخلتها من إذاعة صنعاء، والبيان الأول للثورة، وصور الضباط الأحرار، وأغاني الثورة، وصحيفتَي «الثورة» و«الجمهورية»، وحرب الدفاع عن النظام الجديد، وحصار السبعين.

ثم حملتها المدرسة والشعلة والعلم والخطاب السنوي إلى أجيال وُلدت بعد الثورة ولم تعرف الإمامة مباشرة.

ركزت هذه الذاكرة على إسقاط بيت حميد الدين وإعلان الجمهورية والانتصار على القوات الإمامية.

أما الهدف الأول للثورة، الذي جمع بين «إقامة حكم جمهوري عادل» و«إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات»، فقد انقسم مصيره إلى شطرين: تحقق الانتقال إلى الجمهورية، وتعثر بناء الحكم العادل وتفكيك التراتب الاجتماعي.

غادر الإمام البدر قصره، وبقي جزء من الهرم الاجتماعي والديني الذي حمل الإمامة.

استمر النسب مصدرًا للمكانة، وظلت بعض قيود الزواج والمهنة والأصل حاضرة. وبعد إلغاء الامتياز السياسي الرسمي للسادة، بقيت آثاره الاجتماعية، واستمر المجتمع موزعًا بين مراتب موروثة تضم السادة والمشايخ والقضاة والفقهاء والعسكر وأصحاب الحرف والفئات الموضوعة في أسفل السلم.

حفظ المثل الشعبي اليمني منذ ما قبل الثورة «إذا اشتطّ السيد رقّعه بفقيه» جانبًا من هذه البنية؛ فالفقيه قريب من السيد بوظيفته الدينية، لكنه أدنى منه في المرتبة لأن مكانته مكتسبة بالعلم والعمل، بينما تقوم مكانة السيد على ادعاء النسب.

ولم تنشئ الإمامة جميع أشكال التفاوت من الصفر، لكنها أعادت تنظيمها وعززت قيمتها وأحاطت الامتياز السلالي بشرعية دينية وسياسية.

أسقطت الثورة رأس النظام، ثم انشغلت الجمهورية بحرب بقائها وبناء مؤسساتها. واضطرت الدولة الجديدة إلى التحالف مع قوى قبلية ودينية وعسكرية حملت معها أجزاء من البنية القديمة.

ولم تسبق سبتمبر ثورة ثقافية واسعة تهيئ المجتمع للمساواة، كما لم تلحق بها حركة تنوير مؤسسية تجتث التراتب من اللغة والزواج والتعليم والعلاقات اليومية.

وسعت الجمهورية فرص التعليم والابتعاث والعمل في الجيش والإدارة، وصنعت حراكًا اجتماعيًا استفادت منه فئات واسعة. وترسخت فكرة الجمهورية في وعي أجيال كاملة حتى أصبحت البيئة السياسية التي نشأوا داخلها.

غير أن هذا التحول لم يكتمل في مؤسسات عادلة وقواعد مستقرة تضمن المساواة وتمنع إعادة إنتاج الامتياز.

مع مرور الزمن، رحلت الذاكرة الجمهورية إلى جهاز الدولة أكثر مما استقرت في المجتمع. أصبحت الثورة مادة في المنهج، وصورة في المكتب، وخطابًا تعيده الإذاعة والتلفزيون في شهر سبتمبر.

حافظت المؤسسة الرسمية على المناسبة، لكنها لم تنتج حكاية شعبية متجددة تستطيع العيش في الأسرة والمجلس والأدب والفن. كانت الشعلة تُوقد كل عام، ثم تنطفئ من دون أن تترك وراءها مشروعًا معرفيًا أو ثقافيًا متصلًا.

وفي مقابل هذا الانكماش، واصلت ذاكرة الإمامة إنتاج نفسها. تناقلت المجالس حكايات عن عدالة الإمام وقربه من الناس وعلمه وفقهه وأدبه وشعره وحتى نكاته.

بدت هذه الحكايات عفوية، لكنها فصلت شخصية الإمام عن النظام الذي حكم باسمه، وحولت ذاكرة الإمامة إلى مناقب فردية قابلة للتعاطف. وعندما لم تعد الجمهورية قادرة على تقديم رواية أخلاقية مقنعة عن نفسها، وجدت تلك الحكايات مساحة أوسع للانتشار.

ساعدت التجربة الجمهورية نفسها على إضعاف سرديتها. ظهر قادة عسكريون ومشايخ ونافذون حزبيون ورجال مال يحيط بهم النفوذ والمظاهر الفارهة، حتى شاع القول إن اليمنيين استبدلوا الإمام بأئمة كثيرين.

وأنتج التفاوت الاقتصادي طبقة مخملية من أبناء السلطة وكبار الموظفين والمشايخ والتجار والقيادات الحزبية، بينما تقلصت الطبقة الوسطى وتراجعت فرص الصعود الاجتماعي.

كما تحول توريث النفوذ وإعادة توزيع المناصب على الأبناء والأقارب إلى مصدر قلق لدى أصحاب الكفاءات. وكانت الوظائف العامة المرموقة تتجه في حالات كثيرة إلى أبناء علية القوم، في الوقت الذي ينتظر فيه الخريج العادي فرصة قد لا تأتي.

وهكذا أعادت الجمهورية إنتاج تراتبية جديدة تقوم على القرب من السلطة والسلاح والحزب الحاكم والثروة، إلى جانب ما بقي من التراتب القديم.

بلغت أزمة الثقة مستوى خطيرًا مع تراجع قدرة الدولة واتساع الفساد، حتى جاءت اليمن عام 2010 في المرتبة الخامسة عشرة ضمن مؤشر الدول الفاشلة الصادر عن صندوق السلام ومجلة «فورين بوليسي».

وزاد القلق حين ظهرت مؤشرات على إعادة إنتاج التوريث داخل النظام الجمهوري، فبدا أن الجمهورية تُفرغ من المعنى الذي قامت عليه سبتمبر. وكان الرفض الشعبي اللاحق تعبيرًا عن الخوف على الجمهورية والرغبة في تصحيح مسارها ومنع تحول الدولة إلى ملك عائلي.

تكشف هذه الوقائع أن فكرة الجمهورية ترسخت في وعي أجيال من اليمنيين، لكنها لم تتحول بالقدر نفسه إلى مؤسسات عادلة وسلوك سياسي مستقر.

ومن هنا ظهرت أصوات قليلة تسأل: لماذا لا يتحول اليمن إلى ملكية ما دامت ممالك ومشيخات أخرى أكثر استقرارًا وازدهارًا؟ تنطلق هذه المقارنة من الخلط بين اسم النظام وكفاءة الدولة. استقرار بعض الملكيات نتاج مؤسسات وموارد وتسويات تاريخية، ولا يثبت صلاحية الحكم الوراثي لليمن، كما أن فشل بعض الجمهوريات لا يجعل الامتياز السلالي حلًا لمشكلاتها.

ثم جاء انقلاب الحوثيين، فأعاد الذاكرة السبتمبرية من أرشيف الدولة إلى الشارع والبيت والمنفى. الاستيلاء على المؤسسات، وإعادة النسب معيارًا لتوزيع السلطة والمكانة، وتعبئة المجتمع بخطاب الاصطفاء، وملاحقة رافعي العلم وموقدي الشعلة؛ جعلت أحداث 1962 حاضرة في حياة جيل لم يعشها.

عادت الأغاني الجمهورية، وانتشرت صور الثوار، وتحول الاحتفال بسبتمبر من طقس رسمي مكرر إلى تعبير شعبي عن المقاومة.

غير أن كراهية الحوثيين لا تكفي لصناعة ذاكرة جمعية جمهورية عصية على التجريف. الذاكرة التي ينشطها الخطر قد تخفت عندما تتغير الظروف، وتعريف الجمهورية من خلال عدوها يترك مضمونها ناقصًا.

يحتاج اليمني إلى معرفة ما تمنحه الجمهورية له: حكمًا عادلًا، ومواطنة متساوية، وقانونًا يتقدم على النسب والسلاح، ووظيفة عامة تحكمها الكفاءة، ودولة لا يملكها بيت أو قبيلة أو حزب أو عائلة.

وتحتاج الذاكرة السبتمبرية إلى برنامج يمتد طوال العام. يبدأ من الأسرة والمدرسة، ويتواصل في الجامعة والإعلام والمسجد والمسرح والسينما والكتاب والمنصات الرقمية.

ويأخذ في الاعتبار اختلاف الأعمار: قصص ورسوم ومسرح مدرسي للأطفال، ومناهج تشرح الجمهورية والمواطنة للطلاب، ومواد وثائقية ورقمية للشباب، ودراسات جامعية تناقش أهداف الثورة وما تحقق منها وما تعثر، وبرامج إعلامية تستعيد الشهادات والوثائق والكتب المنشورة وتربطها بحياة اليمنيين المعاصرة.

ولا يكفي أن يحفظ الطالب تاريخ الثورة وأسماء قادتها. المطلوب أن يفهم لماذا قامت، وما معنى إقامة حكم جمهوري عادل، وكيف يرتبط هدف إزالة الفوارق والامتيازات بفرصه في التعليم والعمل والوظيفة العامة.

كما يحتاج إلى التمييز بين الجمهورية بوصفها نظامًا مصدر السلطة فيه الشعب، وبين سلطة تحمل الاسم الجمهوري وتعيد إنتاج التوريث أو الامتياز السلالي أو احتكار الدولة.

ويأتي سبتمبر بعد ذلك موعدًا لإعلان حصيلة العمل: كم شهادة سُجلت؟ ما الوثائق التي حُفظت؟ ماذا أُضيف إلى المناهج؟ ما الكتب والأفلام والمسرحيات والبرامج التي أُنتجت؟ وكيف وصلت فكرة الثورة إلى الفئات التي بقيت خارج خطابها الرسمي؟

بهذه الطريقة يتحول الاحتفال من أداء موسمي إلى مراجعة سنوية لعمل مستمر.

انتهاء سبتمبر هو الامتحان الفعلي للذاكرة الجمعية لثورة 26 سبتمبر. إذا اختفت الثورة بانتهاء الشهر، فقد نجحنا في تنظيم الاحتفالات وأخفقنا في بناء الذاكرة. وإذا بقيت حاضرة في التعليم والثقافة والإعلام والوعي بالحقوق، أصبحت جزءًا من تكوين المجتمع.

لقد أسقطت الثورة الإمام، وما يزال على الجمهورية أن تفكك الهرم الذي جعل الإمامة ممكنة، وأن تمنع إعادة بنائه داخل الدولة والمجتمع.

 

 

  • (المصدر أونلاين)
  •  ( فيصل علي صحفي وكاتب وباحث، ورئيس مؤسسة يمنيون الثقافية).
  •  هذا المقال مستخلص من ورقة بحثية موسعة للكاتب ستُنشر قريبًا في مركز يمنيون للدراسات.