07 نوفمبر 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس

الدولة أم التعليم في اليمن؟ 

ليست المشكلة في اليمن أننا فقدنا الدولة وحدها، ولا أننا فقدنا التعليم وحده؛ بل إننا فقدنا كثيراً من الشروط التي تجعل الدولة دولة، والتعليم تعليماً، والمواطن شريكاً في بناء وطنه.

ومن هنا يبرز سؤال يستحق النقاش: في بلد تآكلت مؤسسات الدولة فيه، وتراجعت فاعلية الإدارة العامة، وتعددت مراكز القرار، هل تكون الأولوية لاستعادة الدولة، أم لإنقاذ التعليم الذي يمثل أحد أهم شروط استعادتها؟

في تقديري، لسنا أمام مفاضلة بين قطاعين، بل أمام سؤال يتعلق بطبيعة المشروع الوطني الذي نريد أن نبدأ منه.

فالدولة لا تُبنى بالمباني الحكومية، ولا تستعاد بمجرد تغيير شاغلي المناصب، وإنما حين تستعيد مؤسساتها وظائفها، ويصبح القانون مرجعاً، والكفاءة معياراً، والمواطنة أساساً للعلاقة بين الفرد والسلطة.

لكن هذه الدولة لن تُبنى بعقول أُقصيت عنها المعرفة، وأجيال تآكلت فرصها التعليمية، ومؤسسات تربوية فقدت قدرتها على صناعة الإنسان وتأهيله.

لقد أصبح التعليم في اليمن ضحية للأزمة، لكنه في الوقت نفسه أحد شروط الخروج منها. فالمدرسة التي لا يجد معلمها راتباً منتظماً، والجامعة التي تفتقر إلى مقومات البحث العلمي، والطالب الذي لا يحصل على تعلم حقيقي، كلها مؤشرات على عمق الخلل في بنية الدولة.

المعضلة أن البعض يتعامل مع استعادة التعليم باعتبارها مرحلة تأتي بعد استقرار الدولة، وكأن لدينا ترف الانتظار حتى تكتمل التسوية السياسية. لكن ماذا لو وصلنا إلى تلك اللحظة وقد فقدنا جيلاً كاملاً من فرص التعلم؟

وفي المقابل، لا يمكن إصلاح التعليم بمعزل عن الدولة؛ فهو يحتاج إلى تمويل منتظم، وإدارة كفؤة، وتشريعات تحمي مؤسساته، ونظام مساءلة يمنع إخضاع المدرسة والجامعة للصراعات ومراكز النفوذ.

إذن، لسنا أمام خيارين منفصلين. فاستعادة الدولة تمثل الإطار المؤسسي للإصلاح المستدام، بينما يمثل إنقاذ التعليم مهمة عاجلة لا تحتمل التأجيل.

لا يجوز أن نجعل استعادة الدولة مبرراً لتأجيل إنقاذ التعليم، كما لا يجوز أن نجعل إصلاح التعليم بديلاً عن استعادة الدولة.

والمطلوب أن نسير في المسارين معاً: استعادة وظائف الدولة، وحماية ما تبقى من النظام التعليمي وإعادة بناء قدرته على أداء رسالته.

فلا يكفي أن نعيد فتح المدارس دون ضمان معلم مؤهل، أو أن نعلن إصلاح الجامعات دون معايير قائمة على الكفاءة والاستحقاق، أو أن نتحدث عن بناء الدولة دون وضع التعليم في قلب مشروع إعادة البناء.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في اليمن هو أن نستعيد مظاهر الدولة بينما نفقد الكفاءات القادرة على إدارتها، وأن نعيد تشغيل المدارس والجامعات شكلياً بينما يتراجع جوهر التعليم المتمثل في بناء العقل وتنمية التفكير والنقد والإبداع.

ولعل السؤال الأكثر إيلاماً ليس: متى نستعيد الدولة؟ ولا: متى نصلح التعليم؟ بل: ماذا سيبقى من اليمن إذا تأخرنا في الاثنين معاً؟

فلا دولة قابلة للاستمرار دون تعليم جيد، ولا تعليم قادر على النهوض دون دولة تحميه وتوفر شروط نجاحه.

الدولة تحمي مستقبل التعليم، والتعليم يمد الدولة بأسباب استمرارها. وبينهما يقف جيل يمني لا يملك رفاهية انتظار انتهاء أزمات الكبار حتى يبدأ مستقبله.

#اليمن_والتعليم

#استعادة_الدولة