25 اكتوبر 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
محمد ثابت
محمد ثابت
24 اكتوبر 2026

جراح العملة وخبز المعركة: كيف حاصرت الحرب الاقتصادية رغيف اليمنيين؟

حين يهدأ أزيز الرصاص في جبهات القتال، تنفتح جبهة أشد فتكاً وأوسع نطاقاً، تدور رحاها داخل البيوت وأمام أفران الخبز وواجهات محال الصرافة. لم تكن الحرب في اليمن يوماً مجرد بنادق ومتارس تقتطع الجغرافيا، بل تحولت على مدار سنوات إلى معركة صامتة تدار بالأوراق النقدية والقرارات المصرفية، حتى بات الريال اليمني نفسه خط تماس متفجر، يتشظى معه قوت الناس وتتآكل مقدرتهم على البقاء.

 

​تبدأ القصة من ذلك الشرخ المالي الذي أصاب القلب الاقتصادي للبلاد؛ انشطر البنك المركزي، وصار لليمن رأسان ماليان وسياسات متناقضة تتجاذب سوقاً منهكاً. تحولت الأوراق النقدية إلى هويات جغرافية، ونشأ واقع نقدي عبثي يقف فيه المواطن حائراً بين عملتين وقيمتين مختلفتين لبلد واحد. ولم يعد تحويل المال بين مدينة وأخرى مجرد إجراء مصرفي روتيني، بل رحلة استنزاف تلتهم فيها العمولات الباهظة نصف ما يرسله العامل لعائلته خلف خطوط التماس، وكأن الحدود الجغرافية رُسمت بأسعار الصرف قبل أن ترسمها الحواجز الترابية.
 
​وفي جنوب اليمن، حيث حاولت الخزانة العامة أن تتدبر أمرها بإيرادات الذهب الأسود، جاءت الضربات التي عطلت موانئ تصدير النفط لتغلق الشريان الأخير الذي يغذي الاحتياطي الشحيح من النقد الأجنبي. ومع جفاف منابع العملة الصعبة، انفرط عقد العملة المحلية في عدن، ودخلت في دوامة هبوط حر لا تكاد تتوقف، ليصبح الاستيقاظ على تسعيرة جديدة للغذاء والوقود طقساً يومياً يثقل كواهل الأسر. أما في الشمال، فرغم السكون الشكلي لسعر الصرف الذي فرضته القبضة الأمنية على حركة السيولة، إلا أن هذا الثبات ظل خاوياً من معناه الحقيقي في ظل انقطاع الرواتب عن مئات الآلاف من موظفي الدولة لسنوات، وتراكم الجبايات والرسوم المزدوجة التي خنقت ما تبقى من أنفاس القطاع الخاص.
 
​ولم تقف حدود هذه الحرب عند حدود اليابسة؛ فبلد يستورد نحو تسعين في المائة من غذائه ودواء أطفاله لا يملك ترف النأي بنفسه عما يجري في مياهه الإقليمية.
 
ومع اشتعال مياه البحر الأحمر بعسكرة الممرات البحرية واضطراب خطوط الملاحة، تضاعفت تكاليف التأمين وأجور الشحن البحري، وهي أعباء لا تذهب إلى حسابات شركات الشحن إلا بعد أن تُقتطع مباشرة من سلة الغذاء اليومية لملايين المعدمين.
 
​إن التضخم في اليمن ليس رسماً بيانياً في نشرات البنوك، بل هو ملامح الآباء العاجزين أمام أبواب الصيدليات، وطوابير الأطفال الذين غادروا مقاعد الدراسة بحثاً عن قوت يومهم، وتلاشي الطبقة الوسطى التي ابتلعها الفقر تماماً. لقد تحول الاقتصاد من أداة للبناء وتدوير عجلة الحياة إلى سلاح كاسر في صراع النفوذ، وأداة للضغط المتبادل لا تفرّق بين عسكري ومدني.
 
​إن إنقاذ ما تبقى من شرايين الحياة في اليمن لم يعد يحتمل مسكنات الإغاثة المؤقتة ولا الودائع المالية التي تذوب في أتون المضاربات. الحل يبدأ من نقطة واحدة شجاعة: تحييد لقمة العيش عن طاولة الصراع السياسي، وإنهاء الانقسام النقدي والمصرفي، وإعادة تشغيل عجلة التصدير ليعود للريال اعتباره، وللإنسان اليمني حقه في خبز لا تشوبه مرارة البارود ولا عبث القرارات المتصارعة.