تعز التي لا تقبل الخضوع
ليست تعز مدينة تقاس علاقتها بالأحداث بميزان اللحظة، ولا مكان عابر في جغرافيا الحرب اليمنية، فـتعز فكرة قبل أن تكون مدينة، وذاكرة حية للمقاومة، ومجتمع تشكل وعيه عبر عقود طويلة من العلم والثقافة والانفتاح.
لهذا ظلت في كل اختبار، أكثر من مجرد ساحة مواجهة، ظلت سؤال مفتوح في وجه مشاريع الإخضاع: هل يمكن إخضاع مدينة تعرف قيمة حريتها؟ وهل يمكن إسكات مجتمع اعتاد أن يسأل ويناقش ويرفض تحويل الإنسان إلى تابع؟
تحكي التجارب والأيام إن تعز لم تكن حاضنة طبيعية لمشروع مليشيا الحوثي، وإن محاولات التمدد بالقوة والضغط لم تنجح في صناعة قبول اجتماعي حقيقي، قد تتمكن المليشيا من فرض وجود عسكري مؤقت، أو من استغلال ظروف الحرب والحصار والانقسام، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تصنع قناعة، ولا أن تحول القهر إلى انتماء.
ما يميز تعز ليس فقط موقعها أو تاريخها النضالي، بل بنيتها الاجتماعية والثقافية، فهي مدينة المدارس والجامعات والمكتبات والصحافة والنقاش العام، وفي البيئات التي تتجذر فيها المعرفة، يصبح من الصعب تمرير الخطابات المغلقة التي تزعم امتلاك الحقيقة كاملة، أو المشاريع التي تطلب من الناس الطاعة بدل التفكير، والتسليم بدل السؤال، والانتماء الأعمى بدل المواطنة.
لا يعني ذلك أن تعز خالية من الفقر أو التهميش أو آثار الحرب، ولا يعني أن أهلها محصنون من الخلافات والأخطاء، لكنه يعني أن لديها مناعة اجتماعية وفكرية تجعل ابتلاعها من قبل مشروع شمولي أمر بالغ الصعوبة، فالمجتمع الذي تعود على التعدد، وعلى حضور العلم في حياته، وعلى تداول الرأي، لا يستقبل بسهولة خطاب يقوم على إلغاء المختلف وتصنيف الناس وفق الولاء، ولا يطمئن إلى سلطة تجعل من السلاح مصدر للحق، ومن الخضوع معيار للنجاة.
إن المليشيات المسلحة تنتعش حين تضعف قدرة المجتمع على المعرفة والتحليل والمساءلة، فالجهل لا يعني فقط غياب القراءة والكتابة، بل يعني أيضا غياب الوعي بالحقوق، وانسداد مصادر المعلومات، وتراجع التفكير النقدي، وتحول الشائعة إلى حقيقة، والخوف إلى قانون، والقوة إلى مرجعية وحيدة.
ومن هذه الزاوية، تتغذى المليشيا على الجهل لأنها تحتاج إلى جمهور لا يسأل عن مصادر شرعيتها، ولا يحاسبها على نتائج أفعالها، ولا يميز بين الدين وتوظيف الدين، ولا بين المقاومة المشروعة وتحويل المجتمع إلى رهينة، وكلما ضاقت مساحة المعرفة، اتسعت مساحة التعبئة المغلقة.
لكن المعرفة بطبيعتها تتنافر مع هذا النوع من التفكير، العلم يعلّم الإنسان أن يسأل، والمعرفة تفتح أمامه أكثر من احتمال، والثقافة تدربه على رؤية المختلف باعتباره إنسان لا عدوا دائما، لذلك لا تستطيع المليشيا أن تتعايش طويلا مع مجتمع حي، فهي تفضل المجتمع الخائف، الصامت، المعزول عن العالم، وتخشى المجتمع الذي يقرأ ويتعلم ويناقش ويقارن.
إن معركة تعز ليست عسكرية فحسب، بل دفاع عن الدولة والكرامة والحرية وحق الناس في اختيار مستقبلهم. فالمدينة تقاوم مشروع الإخضاع وفرض سلطة المليشيا، لا حباً في الحرب، بل تمسكاً بالأمان والتعدد والكرامة. ورغم سنوات الحصار، بقيت روحها حية، مؤمنة بأن الحرية لا تُمنح، وأن الكرامة لا تُصادر بالقوة.
وإن غياب الحاضنة الشعبية لمشروع الحوثيين في تعز يعكس تعارضه مع طبيعة المجتمع وتطلعه إلى الدولة والمواطنة والتعدد، ورغم استغلال المليشيا الفقر والخوف والانقسام، فإن الاستقطاب لا يعني بالضرورة الاقتناع أو التأييد.
وتعزز تعز فرص صمودها بحماية التعليم والوعي وحرية الصحافة والعدالة وحقوق الإنسان، وتجنب إعادة إنتاج الاستبداد أو تحويل الخلاف إلى انتقام، فالمعركة ليست عسكرية وحسب، بل هي دفاع عن دولة يتساوى فيها المواطنون، وتعلو فيها قيمة الإنسان على سلطة السلاح.