25 اكتوبر 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
سمير الفقيه
سمير الفقيه
24 اكتوبر 2026

ستنتصر تعز: ملحمة الضوء في وجه الحصار

تتربع تعز على سفح "صبر" كأنها فكرة أزلية عصية على الفناء، لا تحرس بيوتها بالحجارة وحدها، بل بالمعنى الذي لا تموت جذوته. على مر سنوات الجمر، أرادوا لها أن تكون مجرد مدينة مخنوقة على خطوط التماس، تُقايض أنفاسها بالماء، وتُحصي أيامها برصاص القناصة وأكوام الحواجز الإسمنتية؛ لكن المدينة التي تفيض بالنور والكتب اختارت قدراً آخر يليق باسمها: أن تكون شوكة في حلق الاستبداد، ومرآة لليمن الحر الذي يأبى الانكسار.

 

​حين سدوا في وجهها الدروب، فتحت تعز في الصخر شرايين بديلة. تسلق أطفالها المنحدرات الوعرة حاملين أقلامهم ودفاترهم، واصطفت الأمهات على قمم الجبال يعبرن دروب الوعر ليجلبن أسطوانات الأكسجين ورغيف الخبز لمدينة تُقصف كل صباح. لم يكن ذلك مجرد كفاح من أجل النجاة، بل كان إعلاناً بليغاً وميدانياً عن هزيمة الحصار؛ فالمحاصِر الحقيقي ليس من أُغلقت في وجهه الطرق، بل من ضاقت بصيرته حتى ظن أن إغلاق بوابة برية قادر على كتم أنفاس عاصمة الثقافة وحاضنة الوعي اليمني.
 
​إن تعز لا تقاتل دفاعاً عن حدودها الإدارية، بل تذود عن روح الجمهورية وفكرة الدولة المدنية التي تشكلت هنا؛ على طاولات مقاهيها، وفي فصول مدارسها، وأزقة مدينتها القديمة التي طالما صدرت للعالم معلمين وأطباء ومفكرين وثواراً. لقد حاولوا كسر إرادتها بتجويعها تارة، وبالمقذوفات العمياء تارة أخرى، لكنهم وجدوا في كل ركام ينفضه الأهالي رغبة متجددة في الحياة، وفي كل مدرسة تُقصف سبورة تُعلق على جدار متهدم ليتعلم الأطفال حروف الكرامة أولاً.
 
​ستنتصر تعز لأن التاريخ لم يسجل قط هزيمة لمدينة يقف أبناؤها في طوابير معارض الكتب بذات البسالة التي يقفون بها في متارس الدفاع عن كرامتهم. ستنتصر لأن الحصار فعل عجز واستنزاف يمارسه من يخاف مواجهة الفكرة بالوعي، بينما الصمود فعل خلق وإيمان تمارسه مدينة لا تجيد الركوع.
 
​حين تنجلي غبار هذه الحرب الطويلة، ستفتح تعز أبوابها المغلقة كلها، لا لتستقبل النصر كضيف غريب، بل لتعلنه وليداً شرعياً لصبرها الطويل. سينكسر القيد، وسينحدر الظلام من حولها خائباً، وستبقى المدينة شامخة على سفح جبلها الأشم؛ تروي للريح كيف حاصرها الموت من كل فج، فانتصرت عليه بالحياة، وكيف أرادوا دفنها في رماد الخوف، فانبعثت من تحت الركام قيامةً من نور.