28 أغسطس 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
سمير الفقيه
سمير الفقيه
28 أغسطس 2026

أطفال اليمن في محارق الموت.. مقايضة الرغيف بالرصاص

لم تعد جدران المنازل في مناطق سيطرة جماعة الحوثي قادرة على حماية ساكنيها من بطش الجوع أو من بنادق التجنيد القسري. ففي مشهد يمني بالغ القتامة. تحولت الطفولة إلى سلعة رخيصة في أسواق الحرب. وبات الجوع سلاحاً مسلطاً على رقاب الأهالي لإرغامهم على دفع فلذات أكبادهم إلى محارق الموت دون أدنى شفقة.

 

​في كل قرية وحارة. تدور فصول مسرحية مؤلمة يديرها بعض المشايخ وعقال الحارات. الذين تخلوا عن دورهم القبلي والاجتماعي ليتحولوا إلى سماسرة دم.
 
يمارس هؤلاء ضغوطاً متواصلة على الأسر المعوزة. مستغلين نفوذهم وسلطة الأمر الواقع لإعداد قوائم بأسماء الصغار واستدراجهم من المدارس والمراكز الصيفية نحو جبهات القتال. مقابل فتات من الوعود أو بطائق الإغاثة الإنسانية المنهوبة.
 
​في المقابل يقف الآباء مكبلين في زاوية العجز والصمت. صمت لا ينبع من قسوة القلب بل من الخوف المطبق الذي يزرعه القمع في النفوس. ومن الجوع الذي كسر ظهور الرجال. فالاعتراض على سحب طفل إلى الجبهة يعني السجن أو التخوين أو الحرمان التام من المساعدات الشحيحة. مما يجعل رب الأسرة مخيراً بين هلاك العائلة بأكملها جوعاً أو ابتلاع مرارة غياب ابنه الصغير على أمل عودته حياً.
 
​يتزامن هذا النزيف البشري مع انهيار اقتصادي غير مسبوق يعصف بالمدن والقرى. فمع استمرار قطع المرتبات. وفرض الجبايات والإتاوات الجائرة على التجار والمزارعين. قفزت أسعار المواد الأساسية إلى مستويات تفوق طاقة المواطن العادي. ليتحول الحصول على كيس قمح إلى غاية شبه مستحيلة لغالبية السكان.
 
​وفي ذروة هذا البؤس والفاقة. تتكشف المفارقة الصادمة حين تُهدر مليارات الريالات في استعراضات طنانة وفعاليات دعائية كبرى تحت لافتة المولد النبوي حيث تُغرق الشوارع بالأضواء والطلاء الأخضر وتُنصب السرادقات الفارهة من أموال الجبايات المنهوبة من قوت البسطاء. إن هذه الأموال الطائلة والمهدورة في مظاهر الزينة الزائفة. لو صُرفت بإنسانية ومسؤولية على ملايين الأسر المطحونة. لكانت كفيلة بسد رمق الجوعى. وإعادة النبض إلى البيوت المنكوبة. وكسوة الفقراء والمعدمين الذين يبيتون على الطوى في شوارع تضيئها لافتات الاحتفال وتخنقها مآسي الحرمان.
 
​إن ما يحدث في تلك المناطق ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة. بل هو تدمير ممنهج للنسيج الاجتماعي ومستقبل اليمن. فالأطفال الذين كان ينبغي أن تمتلئ بهم فصول الدراسة يُعادون في صناديق خشبية وصور ملصقة على الجدران. لتظل هذه المأساة وصمة عار في جبين كل من تاجر بفقر الناس وحول براءتهم إلى وقود لمعاركه العبثية.