من الحرس الجمهوري إلى حراس الجمهورية.. هل تكررت الخيانة؟
من الحرس الجمهوري إلى حراس الجمهورية..
هل تكررت الخيانة؟
ليس التشابه بين «الحرس الجمهوري»
و«حراس الجمهورية» مجرد تقارب في الأسماء؛ فالقوتان خرجتا من مدرسة عسكرية واحدة تقريبا، وارتبطتا بقيادات وشبكات ولاء متداخلة، بينما بقيت الجمهورية، التي حملتا اسمها، تدفع الثمن.
كان الحرس الجمهوري أحد أقوى تشكيلات الجيش اليمني وأكثرها تسليحا وتدريبا، لكنه بني على ثلاثية الولاء للفرد والأسرة والمنطقة، مع تغذية الانتماء المذهبي على حساب العقيدة الوطنية. وعندما أعيدت هيكلة الجيش عام 2012 وألغي الحرس بصورته السابقة، لم تنته شبكات الولاء داخله، وظلت وحدات وقيادات منه مرتبطة بالرئيس السابق علي عبدالله صالح.
وعندما حانت لحظة الاختبار، استغل الحوثي الرابط المذهبي لاستقطاب كثير من منتسبي الحرس الجمهوري، فانحازوا إليه وسهلوا له السيطرة على السلاح والمعسكرات. وفي سبتمبر 2014 تحرك الحوثيون نحو صنعاء، بينما تعطلت وحدات عسكرية كبيرة عن أداء واجبها، وأسهم تحالف صالح مع الجماعة الحوثية في إسقاط العاصمة ومؤسسات الدولة.
ثم شاركت قوات موالية لصالح، بينها وحدات من الحرس الجمهوري السابق، في القتال إلى جانب الحوثيين ضد الحكومة الشرعية، قبل أن ينفجر التحالف بين الطرفين في ديسمبر 2017، وتنتهي المواجهات بمقتل صالح وتفكك قواته واعتقال عدد من ضباطها.
ومع ذلك، لا يجوز تحويل المذهب إلى إدانة جماعية؛ فالزيدية ليست تهمة، وبين أبنائها آلاف الجمهوريين الذين رفضوا المشروع الحوثي وقاوموه. المشكلة الحقيقية كانت في استغلال الانتماء المذهبي داخل مؤسسة عسكرية غابت عنها العقيدة الوطنية، فغلب الولاء للفرد والجماعة على الولاء للجمهورية والدولة.
وبعد أحداث ديسمبر 2017، أعيد تجميع ضباط وجنود من الحرس السابق، إلى جانب مقاتلين آخرين، في تشكيل جديد حمل اسم «حراس الجمهورية» بقيادة طارق صالح، وبدعم وتمويل إماراتي. وخاضت هذه القوات منذ عام 2018 معارك مهمة في الساحل الغربي، وقدمت تضحيات لا يجوز إنكارها، لكنها ظلت مرتبطة بقيادة خاصة وتمويل خارجي، وبعيدة عن الاندماج المؤسسي الكامل في الجيش الوطني.
ولأن عددا من كبار قيادات «حراس الجمهورية» خرجوا من البنية العسكرية السابقة نفسها، بقي ولاؤهم للجمهورية موضع اختبار، خصوصا عندما يتعارض قرار الدولة مع توجيهات القيادة الفردية أو حسابات الممول الخارجي.
وفي نوفمبر 2021، انسحبت القوات المشتركة من مواقع واسعة جنوبي وشرقي الحديدة، فتقدم الحوثيون إليها، بينما قدمت القيادة ما حدث باعتباره «إعادة انتشار» مرتبطة باتفاق ستوكهولم، رغم أن الحكومة الشرعية نفت أن يكون قرار الانسحاب صادرا عنها.
واليوم، بعد التطورات الخطيرة في الساحل الغربي وسقوط المخا بيد الحوثيين في سبتمبر 2026، تعود الأسئلة بصورة أكثر إلحاحا: هل كان ما جرى نتيجة خلل عسكري، أم سوء تقدير، أم اختراق، أم قرار انسحاب لم يعلن للرأي العام؟
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل يعقل أن يحسم الحوثي المعركة خلال أيام أمام قوة يبلغ قوامها، بحسب الأرقام المتداولة، نحو خمسين ألف مقاتل، مدربين ومجهزين بكامل عتادهم العسكري؟ كيف انهارت المواقع بهذه السرعة؟ وأين ذهبت القوات والأسلحة والتحصينات؟
ومن أصدر أوامر الانسحاب؟ هل كان القرار من قيادة حراس الجمهورية، أم جاء بتوجيه خارجي؟ وهل للإمارات علاقة بما جرى انتقاما من اليمن والشرعية بعد أحداث حضرموت وخروجها من البلاد؟ أم أن ما حدث كان نتيجة انهيار عسكري وفشل في القيادة؟
إنها أسئلة مشروعة لن تجيب عنها البيانات الإنشائية، بل تحقيق عسكري مستقل وشفاف يكشف من أمر، ومن نفذ، ومن يتحمل مسؤولية سقوط المخا.
إن ما حدث أكبر من أن يختصر في عبارة «إعادة تموضع». ولا يجوز إصدار حكم نهائي قبل ظهور نتائج التحقيق، لكن ذلك لا يعفي القيادات من المسؤولية؛ فسقوط مدينة بحجم المخا، بما تمثله من أهمية لباب المندب والأمن القومي اليمني والملاحة الدولية، ليس حادثا ميدانيا عابرا.
الخيانة لا تثبت بالانتماء المناطقي أو المذهبي، ولا يجوز تحميل الجنود والأبطال مسؤولية قرارات لم يتخذوها، لكنها تبدأ حين يقدم الولاء للفرد أو الممول على الولاء للدولة، وحين تتعدد الجيوش والقيادات وغرف العمليات ويغيب القرار العسكري الوطني الموحد.
لقد حمل الحرس الجمهوري اسم الجمهورية، ثم قاتلت وحدات منه إلى جانب من أسقطها؛ وحمل التشكيل الجديد اسم «حراس الجمهورية»، لكنه يقف اليوم أمام امتحان تاريخي يستوجب كشف حقيقة ما جرى في الساحل ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو تورطه.
الجمهورية لا يحرسها الاسم ولا تحميها الشعارات، بل يحميها جيش وطني واحد، عقيدته الجمهورية، وقيادته الدولة، وقراره يمني لا يخضع لفرد أو أسرة أو ممول خارجي.
تبدلت الأسماء، وتشابكت الولاءات، وبقيت الجمهورية وحدها تدفع الثمن.