كاتب يمني يدعو إلى توحيد جهود وزارة التربية والمبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم لإنقاذ القطاع التعليمي
دعا رئيس مركز الثقافة العربية (الحضارة)، الدكتور محمد العماري، إلى توحيد الجهود الرسمية والمجتمعية لإعادة بناء قطاع التعليم في اليمن، معتبراً أن التكامل بين وزارة التربية والتعليم والمبادرات الوطنية يمثل فرصة حقيقية لإطلاق مسار إصلاحي شامل يعيد للتعليم مكانته بعد سنوات من التدهور.
وقال العماري، في مقال نشره بعنوان "بين همة الوزير ومبادرة الدكتور عسكر: هل نحن على أبواب نهضة تعليمية حقيقية في اليمن؟"، إن التعليم في اليمن يعيش منذ عام 2011 واحدة من أسوأ مراحله، نتيجة تراكمات سبقت الحرب، ثم تفاقمت مع الصراع المستمر منذ عام 2015، الذي أدى إلى تدمير مئات المدارس، وحرمان ملايين الأطفال من التعليم، وانقطاع رواتب المعلمين، إلى جانب تسييس العملية التعليمية.
وأشار إلى أن تعيين وزير التربية والتعليم الدكتور عادل عبدالمجيد العبادي يمثل، من وجهة نظره، بداية لمرحلة جديدة، لافتاً إلى أن الخطوات الأولية التي اتخذتها الوزارة تعكس وجود إرادة لإصلاح القطاع، رغم حجم التحديات التي تواجهه.
وفي السياق ذاته، أشاد العماري بجهود الدكتور نجيب عسكر في إطلاق المبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم في اليمن، واصفاً إياها بأنها مشروع وطني يقدم رؤية استراتيجية متكاملة لإصلاح المنظومة التعليمية، تقوم على إعادة الاعتبار للمعلم، ووضع الطالب في صدارة الاهتمام، وحماية الهوية الوطنية، وتطوير التعليم وفق أسس علمية وتقنية حديثة.
وأكد أن التقاء جهود وزارة التربية مع المبادرة الوطنية يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسار إصلاح التعليم، من خلال الجمع بين الإرادة الرسمية والخبرة الأكاديمية والمجتمعية، بما يسهم في وضع أسس إصلاح تدريجي ومستدام للمنظومة التعليمية.
واختتم العماري مقاله بالتأكيد على أن الاستثمار في التعليم يمثل الضمانة الحقيقية لمستقبل اليمن، معرباً عن أمله في أن تتكامل هذه الجهود لتدشين مرحلة جديدة تعيد للأجيال اليمنية حقها في التعليم والمعرفة، وتؤسس لنهضة تعليمية شاملة.
النص
بين همة الوزير ومبادرة الدكتور عسكر: هل نحن على أبواب نهضة تعليمية حقيقية في اليمن؟ د. محمد العماري. رئيس مركز الثقافة العربية(الحضارة) منذ عام 2011، والحديث عن التعليم في اليمن يتحول إلى رثاء متصل، ونعْي مسبق لأجيال كاملة سرق منها الحلم، ونهب منها المستقبل. كمن عمل في الحقل التربوي، لست بحاجة إلى أرقام لتدرج حجم الكارثة، فهي ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي مؤامرة ممنهجة، كما أعتقد، أوصلت التعليم إلى هاوية يصعب تلافيها دون تدخل جذري، يعيد البناء من الأساس، طوبة طوبة، وبنيات صادقة.
صحيح أن الحرب المدمرة منذ 2015 أفقدتنا الكثير من المدارس بين مدمرة ومتضررة، وحرمت ملايين الأطفال من مقاعدهم الدراسية، ودفعت بالكثير من المعلمين إلى ترك مهنتهم بعد انقطاع رواتبهم لأعوام . لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا هي ما سبق الحرب من تفكيك ممنهج للقيم التربوية، وما تلاها من تسييس للعملية التعليمية جعلها أداة في يد الأطراف المتصارعة، لا وسيلة لبناء الإنسان اليمني .
غير أن في الأفق بارقة أمل، لم تخطر على بال الكثيرين. تمثلت أولى بوادرها من وجهة نظري بوصول شخصية شابة ومتفانية كالأستاذ الدكتور عادل عبدالمجيد علوي العبادي إلى رأس هرم سلطة التعليم العام. ومع أن الطريق لا يزال طويلاً وشائكًا، إلا أن أولى خطوات التأسيس التي بدأنا نلمسها، وإن كانت محدودة، تؤكد أن هناك إرادة حقيقية للانتشال من الحفرة التي أوصلتنا إليها سنوات الإهمال والتسييس.
على الجانب الآخر، وفي مشهد يعيد الثقة بالهم الوطني، نجد شخصية تربوية ناضجة، ورجل مبادئ، هو الدكتور نجيب عسكر. هذا الرجل الذي يقود من خارج الوطن، ويجثم الهم التربوي على كتفيه، يبذل جهودًا جبارة في تأسيس "المبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم في اليمن". مبادرة لا تقف عند حدود النقد، بل تقدم رؤية استراتيجية متكاملة، تنطلق من مبادئ راسخة: "المعلم أولاً"، و"محورية الطالب"، و"حماية الهوية الوطنية من التسييس"، و"العدالة والإنصاف"، بالإضافة إلى تبني حلول تقنية مرنة تتناسب مع واقع البنية التحتية . المبادرة ليست مجرد تنظير، بل هي مشروع وطني يسعى لضم صفوة الخبراء والمخلصين إلى صفوفه، ويسعى ليكون مرجعية علمية لإصلاح المنظومة برمتها.
وهنا يأتي السؤال الأهم: هل يمكن لتلك الجهود أن تلتقي في مسار واحد؟
إن توحيد جهود معالي الوزير الدكتور عادل العبادي، ممثلاً للسلطة التنفيذية، مع المبادرة الوطنية التي يقودها الدكتور نجيب عسكر، ممثلاً للخبرة المجتمعية والأكاديمية، سيمثل نقلة نوعية لا مثيل لها. هذا التكامل بين الإرادة الرسمية والكفاءة الشعبية، يمكن أن ينتج عنه عمل مؤسسي علمي، يضع حجر الأساس لتصحيح تدريجي ومنهجي لأوضاع التعليم في الجمهورية اليمنية.
نعم، الطريق طويل، والعقبات كثيرة، من فجوة تمويل خانقة إلى انهيار في البنية التحتية، لكن ما يبعث على التفاؤل هو وجود رجال بحجم العبادي وعسكر الذي يسعى جاهدًا لتأسيس المبادرة الوطنية ، يدركون أن الاستثمار في التعليم اليوم هو الضمانة الوحيدة لمنع انهيار الغد . نأمل أن يكون التعاون بينهما تجسيدًا عمليًا لشعار "التعليم مسؤولية الجميع"، وأن نرى قريبًا نتاج هذا التلاحم يبشر بفجر جديد لتعليم يمني يخرج من عنق الزجاجة، ويعيد للأجيال حقها في المعرفة والأمل.