في اعتراف سياسي مدوٍّ بسقوط مشروع قام على السلاح والفوضى، أعلنت هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، والقيادة التنفيذية العليا، والأمانة العامة، وكافة الهيئات التابعة له، حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي نهائياً، وحلّ جميع هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء مكاتبه في الداخل والخارج، في خطوة تُنهي واحدة من أكثر التجارب إثارة للانقسام والاضطراب في جنوب اليمن.
القرار، الذي صدر في بيان رسمي، جاء عقب التطورات الخطيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، والتمرد المسلح الذي قادته مليشيات تابعة للمجلس، وما ترتب عليه من تفجير للغضب الشعبي الجنوبي، ورفض واسع لكل محاولات التهدئة، وانكشاف حجم المأزق السياسي والأمني الذي جرّ الجنوب إلى حافة الانقسام الحاد.
وأقرّ البيان، بصورة غير مسبوقة، بعدم مشاركة قيادة المجلس في قرار العملية العسكرية شرق البلاد، واصفاً إياها بـ«المغامرة» التي ألحقت ضرراً بالغاً بوحدة الصف الجنوبي، وأساءت بشكل مباشر للعلاقة مع التحالف العربي، وعلى رأسه المملكة العربية السعودية، التي قدمت ـ بحسب البيان ـ دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً كبيراً ومستمراً.
وفي محاولة لتبرير السقوط، قال المجلس إن تأسيسه لم يكن سعياً إلى السلطة أو الاستفراد بالقرار أو إقصاء الآخرين، غير أن الوقائع على الأرض، وفق مراقبين، أثبتت أن الكيان انحرف مبكراً عن أهدافه، وتحول إلى أداة فرض بالقوة، ومظلة لمليشيات مسلحة قدّمت البندقية على السياسة، والفوضى على الشراكة، والانقسام على التوافق.
البيان اعترف ضمناً بأن استمرار المجلس لم يعد يخدم القضية الجنوبية، وأن وجوده بات عبئاً على الهدف الذي أُسس من أجله، ما دفع قياداته إلى إعلان الحل الكامل، والتوجه نحو مسار جديد يقوم على الإعداد لمؤتمر حوار جنوبي شامل، برعاية المملكة العربية السعودية، في محاولة لاحتواء الانهيار وإعادة الملف إلى مساره السياسي الطبيعي.
كما وجّه المجلس دعوة إلى القيادات والشخصيات الجنوبية المختلفة للانخراط في مؤتمر الحوار، وتشكيل إطار جنوبي جامع، داعياً الشارع الجنوبي إلى تحمّل المسؤولية في مرحلة وصفها بـ«الحساسة»، محذراً من مخاطر الفوضى والاختلالات الأمنية.
ويأتي هذا الإعلان في ظل معطيات ميدانية وسياسية كشفت فراغ القيادة داخل المجلس، وتواري رموزه عن المشهد في ذروة التصعيد، في صورة عززت القناعة بسقوط المشروع الذي بدأ بالتمرد، وتغذّى على المناطقية والسلاح، وانتهى بالحلّ والفرار.
وبحلّ المجلس الانتقالي، يُسدل الستار على مرحلة مثقلة بالدم والانتهاكات والانقسام، ويُفتح الباب ـ نظرياً ـ أمام مسار سياسي جديد، عنوانه الحوار لا المليشيا، والسياسة لا البندقية، فيما يبقى الجنوب أمام اختبار حقيقي: إما تصحيح شامل ينقذ قضيته، أو إعادة إنتاج الفوضى بأسماء جديدة.
