31 أغسطس 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
توفيق الحميدي
توفيق الحميدي
31 أغسطس 2026

من محمد قحطان إلى آلاف المجهولين.. الإخفاء القسري وذاكرة اليمن الجريحة

 

يحلّ اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري في الثلاثين من أغسطس/آب، فيما لا يزال اليمن عاجزًا عن الإجابة على أحد أبسط الأسئلة وأكثرها إيلامًا: أين أبناؤنا؟ خلف السؤال أمهات أنهكهن الانتظار، وزوجات عُلّقن بين الأمل والفقد، وأطفال كبروا أمام صور آباء لا يعرفون إن كانوا أحياء أم ماتوا في سجون لا تعترف بوجودهم.

وتختصر قضية السياسي اليمني محمد قحطان جانبًا كبيرًا من هذه المأساة. فمنذ اختطافه من منزله في صنعاء في أبريل/نيسان 2015، حُرمت أسرته ومحاموه من زيارته أو معرفة مكانه وحالته، ثم تحول مصيره إلى ورقة في مفاوضات تبادل المحتجزين.

وبعد أكثر من أحد عشر عامًا، لم يؤدِّ تقديم رفات ناقصة منسوبة إليه إلى كشف الحقيقة أو إغلاق الملف، بل فتح أسئلة أشد خطورة: أين احتُجز؟ ما الذي تعرض له؟ متى وكيف توفي، إن ثبتت وفاته؟ ولماذا حُجبت الحقيقة كل هذه السنوات؟ وأين بقية الجثمان؟ ومن المسؤول عن كل مرحلة من مراحل اختفائه؟

قضية قحطان ليست شأنا حزبيا، ولا يستمد حقه في الحقيقة والعدالة من موقعه السياسي أو انتمائه إلى حزب الإصلاح، بل من كونه إنسانا ومواطنًا انتُزع من حماية القانون. إنها مرآة يرى فيها اليمن مصير آلاف المفقودين، وبينهم حالات موثقة من الإخفاء القسري، ممن لا يعرف الرأي العام أسماءهم ولا تملك أسرهم حزبًا أو وسيلة إعلام أو جهة تفاوض باسمهم. وإذا أمكن إخفاء شخصية سياسية معروفة لأكثر من عقد، فكيف يكون حال المواطن المجهول الذي لم يترك وراءه سوى أم تنتظر وصورة قديمة وباب لا يُفتح؟

فالإخفاء القسري ليس مجرد احتجاز غير قانوني في مكان مجهول، بل محاولة لمحو وجود الإنسان القانوني والاجتماعي. تُسلب الضحية حريتها، ثم تُنتزع من أسرتها وعملها وحقوقها، ويُنكر احتجازها كأنها لم تكن، ويمنحنا الفيلسوف "إيمانويل ليفيناس" مدخلاً لفهم هذا المعنى؛ فالإنسان عنده "وجه" يستدعينا إلى المسؤولية الأخلاقية، بينما ينزع الإخفاء ذلك الوجه ويحوّل صاحبه إلى رقم أو تهمة بلا صاحب، ومع ذلك يفشل المحو؛ إذ يبقى الغائب حاضراً في غرفته وأشيائه وذاكرة أسرته، ويبقى أهله عاجزين عن استقبال عائد أو توديع ميت أو إنهاء الانتظار.

ولهذا فالإخفاء جريمة متعدية ومتعددة: تبدأ بشخص واحد، لكنها تصيب الأم والزوجة والأطفال والمجتمع، وتجمع داخلها الحرمان من الحرية، وإنكار الحماية القانونية، والتهديد بالتعذيب والموت، وحرمان الأسرة من الحقيقة، وهي جريمة مستمرة لا تنتهي إلا بكشف المصير والمكان، فلا يمحو مرور الزمن المسؤولية، وتشمل ضحايا السبعينات والثمانينيات في النزاعات السياسية اليمنية، لا تمحو إحالة المخفي لاحقاً إلى النيابة أو المحكمة ما سبقها من احتجاز سري وإنكار وحرمان من المحامي والقضاء.

وخلال الحرب اليمنية تحولت هذه الممارسة من وقائع متفرقة إلى أداة للسيطرة، ووثقت تقارير أممية أنماطًا منها لدى جماعة الحوثي وأجهزة حكومية وتشكيلات مرتبطة بالمجلس الانتقالي وقوى مدعومة من التحالف. وعلى الأطراف التي مارست السلطة أو عارضتها وتورطت في الجريمة أن تعود إلى رشدها؛ فلا فرق بين سلطة ومعارضة، ولا بين حليف وخصم، متى تحققت أركان الإخفاء القسري. وتتفاوت المسؤوليات وفق الأدلة، لكن حقوق الضحية لا تتغير بهوية مرتكبها. ومن يطلب الحقيقة لضحاياه ملزم بالاعتراف بضحايا غيره؛ فلا تُبنى دولة القانون بذاكرة انتقائية، ولا تُكسر دورة العنف بعدالة تُطبق على الخصوم وحدهم.

وتكشف قضية قحطان خطر تحويل المخفي إلى ملف سياسي. فقد عومل في مفاوضات التبادل لا بوصفه مدنيًا يجب الكشف غير المشروط عن مصيره، بل رقمًا يقابل عشرات المحتجزين. وهكذا انتقل السؤال من: أين هو وماذا حدث له؟ إلى: بمن يمكن مبادلته؟ إن الجهة التي تخفي إنسانا تسلبه أولاً وجوده القانوني، ثم تحول المعلومات عن حياته أو موته إلى مورد تفاوضي. وحتى تسليم رفات منسوبة إليه، إذا ثبتت هويتها، لا يعفي من كشف ظروف الاختطاف والاحتجاز والوفاة، ولا يحل محل التحقيق المستقل والمحاسبة.

ويرى "بول ريكور" أن الذاكرة ليست استعادة للماضي فقط، بل مسألة أخلاقية وعدلية ، غير أن اليمن يعيش ذاكرات حزبية متنافسة؛ فكل طرف يتذكر ضحاياه ويتردد في الاعتراف بضحايا خصومه أو حلفائه. والمطلوب ذاكرة وطنية ترى الضحية إنسانًا قبل سؤالها عن الحزب والمنطقة. فحفظ الأسماء والشهادات والسجون والمقابر لا يعني إبقاء المجتمع أسيرًا للماضي، بل حمايته من إنكار الجريمة وتكرارها.

ولا يجوز الخلط بين المسامحة والمصالحة والعفو والمحاسبة. فـ"حنة آرنت" ترى في المغفرة إمكانًا لبداية جديدة، لكنها لا تجعلها محوًا للفعل، فيما يؤكد "جاك دريدا" أن المغفرة تخص الضحية ولا تملك الدولة أو الأحزاب منحها نيابة عنها. قد تسامح الضحية، لكن الدولة تظل ملزمة بالتحقيق، لأن الجريمة اعتدت على المجتمع والقانون أيضًا. أما مطالبة الأسر بالتسامح قبل معرفة مصير أبنائها، فليست مصالحة، بل ضغط سياسي لدفن الحقيقة.

ومن هنا تصبح العدالة الانتقالية طريقا لإدارة الماضي من أجل المستقبل، عبر كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار. فالإخفاء لا ينتج ألمًا فرديًا فقط، بل يغذي دورات العنف: الغموض يمنع الحداد، وغياب العدالة يحول الألم إلى غضب، ثم توظف السياسة الغضب في صراع جديد. ولهذا فإن كشف المصير ليس استجابة إنسانية للماضي فحسب، بل سياسة وقائية تحول دون انتقال المظلومية والثأر إلى الأجيال التالية.

يحتاج اليمن إلى هيئة وطنية مستقلة للمفقودين والمخفيين بمشاركة الأسر والناجين، وسجل موحد، وفتح السجون والسجلات أمام القضاء، وحماية المقابر والأدلة، وتطوير الطب الشرعي وتحليل الحمض النووي. كما يحتاج إلى الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتجريم الإخفاء بوصفه جريمة مستقلة ومستمرة، ومساءلة الآمر والمنفذ والقائد الذي علم ولم يمنع، ومنع أي عفو ينتج حصانة من الجرائم الجسيمة.

إن منع الإخفاء يحتاج إلى حس وطني وشعبي يرفضه أيًا كان مرتكبه، وإلى أحزاب تراقب حلفاءها كما تدين خصومها، وإعلام يحفظ أسماء الضحايا، وقضاء يفتح السجون والملفات. فالصمت عن مخفي اليوم يؤسس لمخفي جديد غدًا، ولن يخرج اليمن من دورات العنف بمجرد توقف المدافع، بل عندما تعرف كل أسرة مصير ابنها، ويحاسب من أخفاه، وتُصلح المؤسسة التي سمحت بالجريمة. إن كشف المصير ليس تصفية لحسابات الماضي، بل حماية لمستقبل اليمن؛ ومن استعادة الأسماء تبدأ استعادة الدولة، ومن إنصاف الأسر يبدأ كسر دورة العنف.

 

  • (المصدر أونلاين)