09 أغسطس 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
د. نجيب عسكر
د. نجيب عسكر
16 يوليو 2026

لا أحد يقرأ كلامك!

 

 

في بلدٍ أنهكته الحرب، وتكاثرت عليه الجراح من كل اتجاه، لا تزال هناك عقول يمنية تقاوم بطريقتها الخاصة؛ لا بالسلاح، بل بالفكر. يكتبون، يحلّلون، ويقدّمون رؤىً متكاملة لإخراج اليمن من أزمته المركّبة. ينجزون دراسات، ويؤلفون كتباً، ويصيغون مبادرات، واضعين نصب أعينهم ملامح وطنٍ ممكنٍ بعد انقشاع هذه الغمّة.

لكن الصدمة التي تتكرر كل يوم، وتثقل كاهل هؤلاء، تختصرها عبارة موجعة: لا أحد يقرأ كلامك.

ليست هذه العبارة تعبيراً عابراً عن الإحباط، بل توصيف دقيق لحالة من الانفصال بين ما ينتجه العقل اليمني، وما يلتفت إليه صانع القرار. فالمشكلة ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة لقراءتها.

على مدى سنوات الحرب، تراكم إنتاج فكري وعلمي معتبر، تناول قضايا الاقتصاد، والتعليم، وإعادة بناء الدولة، وتعزيز التماسك الاجتماعي. غير أن هذا الجهد، على أهميته، ظلّ في معظمه خارج دائرة التأثير، يصطدم بجدارٍ صلب من التجاهل.

لفهم هذه المفارقة، لا بد من النظر إلى طبيعة المشهد القائم. فبينما ينشغل الأكاديميون والمفكرون بصياغة رؤى التعافي، انخرطت أطراف نافذة في مسارات مختلفة تماماً، أعادت فيها الحرب ترتيب الأولويات. في هذا السياق،  تحوّلت الأزمة لدى البعض من مأساة وطنية إلى بيئة مواتية لتراكم المصالح.

وهنا يكمن جوهر المشكلة: ليس التجاهل وليد صدفة، بل نتيجة منطقٍ يرى في استمرار الوضع القائم مكسباً، وفي أي مشروعٍ للاستقرار تهديداً محتملاً. بناءً على ذلك، يصبح من الطبيعي أن تتراجع أهمية كل ما يدعو إلى إنهاء الأزمة. فالدراسات التي تقترح إصلاحات، والمبادرات التي تسعى إلى إعادة البناء، لا تجد طريقها إلى التطبيق، ليس لقصور فيها، بل لأنها لا تنسجم مع حسابات قائمة على إطالة أمد الفوضى.

بهذا المعنى، تتحول المعركة في اليمن إلى ما هو أبعد من صراعٍ عسكري؛ إنها مواجهة بين منطقين: منطقٍ يسعى إلى استعادة الدولة، ومنطقٍ يستثمر في غيابها.

وفي خضم هذا التعقيد، يواصل المثقفون والباحثون أداء دورهم، مدفوعين بمسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنية. يكتبون وهم يدركون أن أثر ما يقدّمونه قد لا يظهر الآن، لكنهم يؤمنون بأن الأفكار لا تموت، وأن ما يُهمَل اليوم قد يصبح أساساً لما يُبنى غداً.

هذه القناعة هي ما يجعلهم يستمرون، رغم كل شيء. ولعل أبلغ ما يختصر هذا الإصرار، ما قاله أديب اليمن الراحل عبدالعزيز المقالح: "سنظل نحفر في الجدار، إما فتحنا ثغرة للنور، أو متنا على وجه الجدار." في النهاية، لا تبدو المشكلة في أن أحداً لا يقرأ، بل في أن القراءة لم تعد مدخلاً للتغيير لدى بعض من يملكون القرار. ومع ذلك، يظل الرهان قائماً على المستقبل، وعلى أجيال قد تجد في هذا الإرث الفكري ما يعينها على إعادة بناء وطنٍ أنهكته الصراعات. حتى ذلك الحين، سيظل البعض يكتب… لا لأن هناك من يقرأ، بل لأن الصمت، في مثل هذه اللحظات، خيانة.