09 أغسطس 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
د. نجيب عسكر
د. نجيب عسكر
22 يونيو 2026

الإعلان عن نهاية الحرب في اليمن!

 

هذا هو الخبر الذي يحلم اليمنيون أن يستيقظوا على سماعه في أي صباح، فبعد سنوات عجاف من الصراع الذي طال كل شبر في البلاد، وخلّف وراءه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، يبحث الشارع اليمني اليوم عن بصيص أمل وسط ركام الحرب، ويتطلع بلهفة إلى اللحظة التي يُعلن فيها السلام الدائم والعلني. بعد كل هذا الوقت، لم يعد الناس يبحثون عن انتصار طرف على آخر، بقدر ما يبحثون عن نهاية للمأساة، وتوقف لهذا الاستنزاف الطويل. ومع طول انتظار إشراقة صباح السلام الذي طال أمده، تظل ملامح الأمل تراود كل أبناء الشعب في ظل التحركات الدبلوماسية المكثفة التي تقودها أطراف إقليمية ودولية بهدوء؛ سعياً لتثبيت التهدئة وتجميد الصراع. حيث يرى مراقبون أن المؤشرات الحالية، وإن اتسمت بالحذر، توحي بأن رغبة الأطراف المختلفة بدأت تتقاطع أخيراً عند نقطة الإنهاك، بعدما وصلت الأزمة إلى مرحلة حرجة أصبحت فيها كلفة استمرار الحرب أعلى بكثير من كلفة إيقافها، سواء على الصعيد الإنساني أو الاقتصادي. وما يحدث حتى الآن في الكواليس هو انتقال تدريجي حقيقي من إدارة الصراع إلى البحث الجاد عن مخرج منه. وبعيداً عن المصطلحات السياسية المعقدة، يتطلع الشارع اليمني إلى ترجمة هذه التحركات سريعاً إلى استحقاقات معيشية وإنسانية ملحة؛ ابتداءً بفتح الطرقات والجسور، وإنهاء حصار المدن، وتسهيل حركة المواطنين والبضائع، وصرف مرتبات موظفي الدولة بانتظام لإعادة الروح للاقتصاد المنهك، بالإضافة إلى توحيد العملة وضبط السياسة النقدية للقضاء على الانقسام المصرفي الذي أثقل كاهل المواطن بوجع الغلاء. كما يطمح الشعب إلى ضرورة عودة مؤسسات الدولة والخدمات، وبدء رحلة تعافي البنية التحتية المدمّرة وإعادة الإعمار (خصوصاً قطاعي التعليم والصحة؛ لتوفير مدرسة يعمل فيها المعلم، ومستشفى يجد فيه المريض الدواء)، إلى جانب تفعيل القضاء والأجهزة التنفيذية ليشعر المواطن أن هناك جهة تحمي حقوقه، ويبحث كذلك عن الأمن والاستقرار، وتقليل مظاهر الفوضى ضمن إطار دولة واضحة تحمي الجميع. ولكن، ورغم هذه الأجواء التفاؤلية التي يحملها عنوان السلام، إلا أن طريق بناء هذا الحلم واستدامته لن يكون سريعاً أو مفروشاً بالورود؛ إذ تكمن التحديات الحقيقية في ملفات شائكة وندوب عميقة خلّفها الصراع في جسد المجتمع، وأبرزها: أزمة الثقة وتمزق النسيج الاجتماعي: وتتجلى في تلك الفجوة العميقة والانقسامات الحادة التي خلفتها سنوات الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد؛ إذ إن إعادة ترميم هذا النسيج وتجاوز مرارات الماضي لن تتحقق بقرار سياسي فوقي، بل تتطلب مساراً زمنياً طويلاً وجهوداً مجتمعية حقيقية وصادقة. وكذلك الملف الحقوقي والعدالة الانتقالية الذي يشمل قضايا الأسرى، والمفقودين، وجبر الضرر، وتعويض المتضررين. وتعد هذه الملفات من أعقد الاختبارات الإنسانية التي ستحدد شكل المرحلة القادمة، والمحك الفعلي لمدى صدق نوايا الأطراف المختلفة. إضافةً إلى السلاح المنفلت وتغيير منظومة القيم، من خلال وضع آلية واضحة لدمج الفصائل المسلحة، وتوحيد القرار العسكري والأمني تحت مظلة الدولة، بالتوازي مع معالجة الآثار النفسية والسلوكية التي طرأت على المجتمع نتيجة انتشار ثقافة العنف وتفشي الفقر. وأمام كل هذه التحديات، يظل إعلان نهاية الحرب هو الخبر الأهم الذي ينتظره ملايين اليمنيين بلهفة، فالعبارة التي يتردد صداها اليوم في كل مكان: "قريباً ستنتهي الحرب"، هي نبض شارعٍ استهلك كل طاقته في التحمل، ودعاء أمهات لم يعد لديهن متسع لمزيد من المآسي. لذا، لن يكون هذا الإعلان المنتظر مجرد بيان سياسي، بل بداية اختبار حقيقي على الأرض. فالإجابة عن سؤال: هل انتهت الحرب فعلاً؟ ستظهر مباشرة في تفاصيل حياة الناس اليومية؛ هناك فقط، حين يفتح الطريق، ويعود الأمان، ويتحسن الوضع المعيشي للمواطن، سنعرف يقيناً أن الحلم قد تحقق، وأن الحرب قد وضعت أوزارها وانتهت حقاً.