قحطان.. القصة العابرة للأجيال
بعض القضايا تكون أكثر من قدرة الإنسان على الكتابة أو القول، ومنها قضية الأستاذ محمد قحطان.
وصلنا لهذه الحالة بعد أن تعرضت مشاعرنا للإستنزاف والتلاعب على مدار 11 عاماً إذ تُرِك الملف رهن الغموض والتلاعب والإبتزاز السياسي.
تخيل أن يظل شخص في بالك 11 عاماً وأنت كل يوم تتذكره وتتساءل هل لا يزال على قيد الحياة أم تمت تصفيته؟ هل سيعود؟ هل سنراه مجدداً؟ وتجد نفسك كل يوم أمام إجابات مختلفة واحتمالات متناقضة وتسريبات تطفو بين الحين والآخر تجعلك في حالة من "اللايقين".
قحطان بالنسبة لنا ولجيل عرفه منذ وعت عيناه الحياة من حوله ليس مجرد شخص عابر أو سياسي يشغل موقع معين في الحياة العامة، بل مثل حالة إلهام ونموذجاً دفع بنا إلى قلب معترك الحياة العامة وجعل التعاطي مع الشأن العام كما لو أنه يعنينا بشكل مباشر، كان حضوره وتأثيره في المجال العام يمنحنا قناعة أن هذا الفضاء ليس حكراً على النخب المدنية ولا على مراكز النفوذ القبلية والعسكرية ولا على أصحاب الأموال القادرين على شراء حضورهم ومنح أصواتهم وتحركاتهم قوة أكبر.
قحطان "ابن الفقيه" القادم من عمق الريف حضر في كل مرحلة بما يناسبها، ومنحنا اليقين أن الإصرار والإيمان بالفكرة التي تحملها وبالقدرة على الفعل والشغف في العمل من أجل الناس هو ما يمنح المرء قوة إضافية وحضوراً مضاعفاً ويجعله يتقدم الصفوف وصولاً إلى صدارة الحياة العامة متجاوزاً كل الحواجز.
أن تكون حراً وأن يكون صوتك عالياً دون أن يكون في جيبك ورقة نقود واحدة، ودون أن تخضعك الحاجة أو العوز لأن تقايض موقفك فيما يتعلق بالقضايا العامة مقابل مكسب خاص.
إحدى عشر عاماً من محاولة التغييب ظل فيها قحطان حاضراً من خلال استعادة واستذكار الأدوار التي لعبها في كل محطة وفي كل موقف، وبقدرته على الإنتقال إلى المحطة التالية متخففاً من كل الضغائن والأحقاد التي لا يزال آخرون عالقين فيها منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بل بمرونته صار كثير من خصوم الأمس أصدقاء المرحلة التالية لأن هدفه كان أكبر من أن يظل أسيراً لخصومات قديمة لها حيثياتها وظروفها ويعتقد أنها عنصر متغير يجب أن لا تفرض نفسها كمعطى ثابت.
مع كل متغير مهم كنا نتساءل ماذا كان سيقول قحطان فيما لو كان حاضراً في هذه المحطة وكيف سيعلق؟ ذلك لأنه كان صاحب ذهن متقد وعقلية مختلفة ومتحررة من كثير من المخاوف، على النقيض من القيادات التقليدية داخل الأحزاب والتي سجنت نفسها داخل قوالب محددة وباتت غير قادرة على الفكاك منها.
ربما كان ليغرد وحيداً ويجد نفسه في حالة صدام مع الجميع وقد استخذت النخب الهزائم والخسارات وتماهت مع حالة الإرتهان واستلاب القرار.
هل كان يستطيع البقاء في القفص الذي دخل فيه معظم السياسيين؟ مع استثناءات بسيطة ماتوا في منافي بعيدة وكانوا خارج الحسبة لأنهم لم يقبلوا التسليم المطلق!
ولربما أن ما أوقعه في الخطر هناك في صنعاء كان سيدفع به بعيداً عن الفعل والتأثير فيما لو قُدِّر له الخروج من صنعاء يومها. فقد بقي متمسكاً بالحوار منطلقاً من إيمانه أن تلك الطاولة هي سفينة النجاة لليمن غير مبالٍ ما إذا كان كشخص سيدفع حياته ثمناً لقناعته.
شجاعة قحطان وشخصيته المعجونة بالعناد والإصرار كانت واحدة من الأسباب التي أوقعته في يد الحوثيين، إلى جانب إدراكهم للقدرة الحقيقية للرجل ولذهنيته القادرة على ابتكار المخارج والحلول في اللحظات الصعبة.
حين اعتقلوا قحطان كانوا قد اعتقلوا عشرات القيادات بما فيهم رجال من الصف الأول لحزب الإصلاح أو حتى مسؤولي الدولة، أفرجوا عنهم جميعاً في وقت لاحق لكنهم تمسكوا بقحطان وفعلوا ذلك حينها بدافع الشعور أنهم قد انتزعوا "عقل الإصلاح" الطرف الأكثر حضوراً وتأثيراً في الساحة.
بعد 11 عاماً من التسريبات والإبتزاز والتلاعب بقضيته قال الحوثيون إن قحطان قتل بغارة جوية لطيران التحالف وعرضوا على عائلته واللجنة المشكلة جزءً من رفات قالوا إنه لقحطان!
هم اختطفوا قحطان من منزله، وفي كل الأحوال هم المسؤولون عن قتله سواءً بالتصفية المباشرة أو بوضعه درعاً بشرياً في مكان معرض للقصف، أو بتفخيخ المكان الذي كان يحتجز فيه.
لا إجابة واضحة حتى الآن.
كل التعليقات الصادرة عن مؤسسات الدولة أو عن حزب الإصلاح وعن كثير من السياسيين لا تزال تدور حول البحث عن الإجابة على سؤال "أين قحطان؟" فعرض جزء من الجثمان أو حتى ما سيسفر عن فحص الحمض النووي لن يجيب عن السؤال إذ سيظل قائماً وتلحقه أسئلة كثيرة (كيف؟ وأين؟ ومتى؟) وسلسلة طويلة من خطوات التحقيق والمساءلة حتى يتم تحقيق العدالة.
قضية قحطان ليست قضية عائلته أو المقربين منه أو حتى حزبه، بل هي قضية وطنية بامتياز إذ كان صوتاً مدنياً قوياً يعبر عن أحلام اليمنيين في السلام والأمن والإستقرار وعن حقهم في دولة نظام وقانون تحفظ جميع حقوقهم، عن حق الناس في اختيار ومساءلة من يحكمهم وحقهم في المشاركة في صياغة العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وهي ذات الحقوق الإنسانية العادلة التي يناضل من أجلها اليوم كل اليمنيين أمام محاولات إخضاع واستعباد الناس بالقوة.
في كل محطة دفع قحطان ثمن نبرته العالية وسقفه المرتفع، وضاقت به كل مراكز النفوذ التقليدية (قبلية وعسكرية ودينية) والتي كانت تنظر للسياسة كديكور تجمل أفعالها وأن علي كل المنخرطين فيها أن يتحركوا لتعظيم مصالحها أو على الأقل أن تتحرك وتناور دون المساس بها، وكان يخبرنا في الجلسات الخاصة وفي النقاشات أن "هذه بلادنا وأمرها يعنينا بشكل مباشر مش هي حق أبو الفندم ولا أبو الشيخ"، وكان يقول لنا إننا كمنخرطين في الشأن العام لن نُحترم ولن يكون لأصواتنا تأثير مالم نتحرر من مصالحنا الخاصة ومن مخاوفنا ونكون علي استعداد لتحمل المتاعب.. مالم نرفع أصواتنا ونتجاوز الخطوط التي يرسمها "الأوصياء" وأصحاب النفوذ الذين طال تصدرهم للمشهد حتى ظنوا أمر البلد حكراً عليهم.
وفيما كان يصنع المشتغلون بالشأن العام هيبتهم وتأثيرهم من خلال الحواجز التي يضعونها بينهم وبين الناس كان قحطان يصنعها ببساطته وصدقه وعفويته، يسأل عنك ويتصل بك حتى تظن أنك أثير لديه ومقرب منه وحين تصل إلى مقيله تجد أمامك الكثيرين الذي يشاركونك نفس الشعور.
إلى جانب قراءاته الدينية والسياسية الواسعة كان قارئاً متبحراً في التاريخ والفلسفة والفكر وعلم الإجتماع، ومتابعاً بشكل حثيث لما ينشر من سير القادة والعظماء الأكثر تأثيراً في العالم وهذا على عكس كثير من السياسيين الذين تستهلكهم المشاغل اليومية، ولهذا كان من أكثر المشتغلين في السياسة إدراكاً لخطورة مشروع الإمامة وكان عناصر الجناح الناعم للإمامة الذي يتغطى برداء الحقوق والحريات ينكشفون سريعاً إذا ما وجدوا أنفسهم في نقاش معه.
يسمع من الجميع ويناقش الجميع دون ادعاء بامتلاك الحقيقة أو القول الفصل في أي قضية، يستفز ذهنك بالتساؤلات ولا يقبل منك جملة ناقصة أو الهروب من السؤال إذ تشعر أنك معني بالبحث عن إجابات لكل سؤال وتقليب الاحتمالات المتعددة، وحين يجد الجو دخل في الجدية الزايدة يلطف النقاش بطرفة أو موقف شخصي يرويها بلكنته القروية ليعيد للجلسة ألفتها وجمالها.
يموت كثيرون بانتهاء مشوارهم في الحياة ويبقى آخرون حاضرين بمواقفهم وأفكارهم وما تمثلوه من قيم صنعت حالة إلهام سيمتد أثرها لأجيال لاحقة.