09 أغسطس 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
محمد علي الورد
محمد علي الورد
17 يونيو 2026

العودة إلى الدراسة... بين أنقاض الواقع وأمل لا يموت...

 

مع مطلع الأسبوع المقبل، تُفتح أبواب المدارس من جديد، وتتعالى أصوات الأجراس معلنة بداية عام دراسي جديد، بينما يقف الوطن عند مفترق طرقٍ مؤلم، مثقلاً بالأزمات، منهكاً من سنوات الصراع، ومحاصراً بظروف اقتصادية ومعيشية أرهقت الإنسان في كل تفاصيل حياته. يعود الطلاب إلى مقاعد الدراسة، لا كما يعود أقرانهم في البلدان المستقرة، بل وهم يحملون على ظهورهم أعباءً تفوق أعمارهم.  يعودون وأسرهم تكافح من أجل توفير لقمة العيش قبل توفير الدفاتر والحقائب، ويعودون بينما تتآكل أحلامهم تحت وطأة الفقر والحرمان وانعدام أبسط مقومات الحياة الكريمة. لقد دفعت بلادنا ثمناً باهظاً نتيجة الصراع في الداخل والتآمر من الخارج، فكان المواطن هو الضحية الأولى، وكان التعليم أحد أكبر الخاسرين.  فبينما تتنازع القوى مصالحها، وتتشابك الحسابات السياسية، تضيع سنوات عمر أجيال كاملة كان يفترض أن تكون اليوم أكثر علماً ووعياً وقدرة على بناء المستقبل. إن ما يوجع القلب حقاً أن التعليم، الذي كان يوماً طوق النجاة للأمم، أصبح هو الآخر يئن تحت ثقل الأزمات.  فالمدارس الحكومية التي كانت ملاذاً لأبناء البسطاء تعاني من الإهمال والتراجع ونقص الإمكانات، حتى بات كثير منها عاجزاً عن توفير بيئة تعليمية حقيقية تصنع المعرفة وتنمي القدرات. أما المعلم، ذلك الرجل الذي يحمل رسالة الأنبياء، فقد أصبح مهمشاً ومحروماً من أبسط حقوقه، يقاوم ظروفاً قاسية لا تليق بمن يصنع العقول ويبني الأجيال. ومع ذلك ما يزال كثير من المعلمين يؤدون رسالتهم بإخلاص، لأنهم يدركون أن انهيار التعليم يعني انهيار مستقبل الوطن بأكمله. وفي الجانب الآخر، ظهرت مدارس أهلية كثيرة تحولت لدى البعض إلى مشاريع استثمارية قبل أن تكون مؤسسات تربوية وتعليمية، فأصبحت الرسوم تثقل كاهل الأسر المنهكة، بينما يبقى بناء الإنسان وصناعة الوعي في المرتبة الثانية.  وكأن التعليم لم يعد رسالة سامية تُبنى بها الأمم، بل سلعة تُعرض في سوق تتفاوت فيه الأسعار وتتراجع فيه القيم التربوية.

أيها المتصارعون في هذا الوطن... أما آن لكم أن تنظروا إلى وجوه الأطفال وهم يحملون حقائبهم المثقلة بالهموم ؟   أما آن لكم أن تدركوا أن أخطر ما تدمره الحروب ليس المباني ولا الطرقات، بل الإنسان نفسه؟  أما آن لكم أن تحكّموا العقل والحكمة وتضعوا مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة والحسابات المؤقتة؟ أما آن لكم أن تدركوا أن خلاص هذا الوطن، وصلاحه، ونهوضه، وازدهاره، إنما هو بأيديكم وأيدي أبنائه المخلصين؟ إن الشعوب قد تتحمل الجوع زمناً، وقد تصبر على قسوة الحياة سنوات، لكنها إذا خسرت تعليم أبنائها خسرت مستقبلها كله. ومع كل هذا الألم، يبقى هناك شيء واحد لم تستطع الأزمات أن تنتزعه من قلوب اليمنيين... الأمل. نعم، الأمل الذي يولد من رحم المعاناة، ويكبر وسط الركام، ويقاوم اليأس مهما اشتدت العواصف.

أيها الطلاب... قد تبدو الطريق طويلة، وقد تشعرون أحياناً أن الظروف أقوى من أحلامكم، لكن تذكروا أن أعظم الرجال والنساء في التاريخ خرجوا من رحم المعاناة، وأن الأمم لا تنهض إلا بسواعد أبنائها المتعلمين. لا تسمحوا للظروف أن تهزمكم، ولا تجعلوا الفقر يسرق أحلامكم، ولا تتركوا اليأس يطفئ نور العلم في قلوبكم. تمسكوا بكتبكم كما يتمسك الغريق بطوق النجاة، فالعلم هو السلاح الذي لا يصدأ، وهو الطريق الوحيد نحو بناء المستقبل. قد يكون وطننا اليوم مثقلاً بالجراح، لكن الأوطان العظيمة لا تموت، والشعوب الحية لا تنكسر، واليمن الذي علم الدنيا معنى الحضارة ووقف شامخاً في كل الظروف قادر على النهوض من جديد عندما يؤمن أبناؤه بأن العلم هو بداية الخلاص. فامضوا إلى مدارسكم بعزيمة المؤمنين بالمستقبل، واصنعوا من صفحات الكتب جسوراً تعبرون بها نحو غدٍ أفضل، وكونوا الجيل الذي يداوي جراح الوطن، ويبني ما هدمته الصراعات، ويعيد لليمن مكانته التي يستحقها بين الأمم. فبعد كل ليلٍ طويل يشرق الفجر، وبعد كل عسرٍ يأتي اليسر، وبعد كل معاناة يولد أمل جديد. وسيظل العلم، رغم كل شيء، هو النور الذي لا ينطفئ.

 اللهم يا واسع الرحمة وعظيم الفضل، احفظ أبناءنا الطلاب والطالبات، وبارك لهم في أوقاتهم وأعمارهم وعقولهم، وافتح لهم أبواب العلم والمعرفة، واجعلهم مفاتيح للخير، ورواداً لبناء وطنهم وخدمة أمتهم.

اللهم أعن المعلمين والمعلمات على أداء رسالتهم العظيمة، وأكرمهم بما يليق بمكانتهم، واجعل ما يقدمونه من علمٍ ونورٍ في ميزان حسناتهم.

اللهم ألّف بين قلوب المتصارعين في وطننا، وألهمهم الحكمة والرشد، واهدهم إلى كلمة سواء، واجعل مصلحة الوطن فوق كل مصلحة، وجنّب بلادنا وعبادك  الفرقة والخصام، واجمع شمل اليمن وأهله على الخير والأمن والسلام.  وأعن كل أبٍ وأمٍ يكافحان من أجل مستقبل أبنائهما، وأبدل خوفهم أمناً، وعسرهم يسراً، وضيقهم فرجاً.

اللهم احفظ هذا الشعب الصابر الكريم، وارفع عنه البلاء والغلاء وسوء الأحوال، وأعد إليه الاستقرار والرخاء والطمأنينة، واجعل الأيام القادمة أيام خير وبركة ونماء.

اللهم اجعل العلم طريق نهضتنا، والوحدة سبيل قوتنا، والعمل أساس تقدمنا، واكتب لليمن وأهله مستقبلاً مشرقاً يليق بتاريخهم وتضحياتهم، إنك على كل شيء قدير.

اللهم آمين، يا رب العالمين. ??  ١٦ /يونيو/ ٢٠٢٦م