09 أغسطس 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس

السياسة السعودية في اليمن بين الدعاوى والحقيقة

 

‏التفاف اليمنيين حول المملكة العربية السعودية لم يكن يومًا نتاج خطاب إعلامي أو حملة دعائية أو اصطفاف عاطفي عابر، بل كان حصيلة تجربة واقعية قاسية عاشها اليمنيون بكل تفاصيلها. 

‏تجربة رأوا فيها من ثبت معهم حين تخلى الآخرون، ومن انحاز للدولة حين اختار غيره الاستثمار في المليشيا، ومن قدم الاستقرار على الفوضى، والحل السياسي على المغامرة العسكرية، والعقل على الانفعال، ومصلحة اليمن على حسابات النفوذ الضيقة.

‏موقف اليمنيين إلى جانب المملكة ليس موقفًا مؤقتًا تفرضه الظروف، بل موقف نابع من قناعة راسخة وتجربة طويلة أثبتت أن المملكة كانت وما تزال الشريك الأكثر صدقًا في دعم اليمن واستعادة دولته ومؤسساته

‏نحن كيمنيين لا نقف إلى جانب المملكة لأن الظروف فرضت ذلك، بل لأن ما يجمعنا بها أكبر من التحالفات المؤقتة وأعمق من المصالح العابرة. 

‏تجمعنا بها روابط الدم والنسب، والجغرافيا والتاريخ، والحدود والمصير المشترك. أكثر من 1800 كيلومتر من الحدود تجعل أمن اليمن جزءًا من أمن المملكة، وتجعل استقرار المملكة جزءًا من استقرار اليمن.

‏ولهذا لم تنظر المملكة يومًا إلى اليمن باعتباره ساحة نفوذ أو ورقة مساومة أو فرصة استثمار سياسي، بل تعاملت معه بوصفه قضية أمن قومي ومسؤولية أخلاقية وواجبًا تاريخيًا تجاه شعب جار وشقيق، يرتبط بها بعلاقات تتجاوز السياسة إلى عمق الهوية والمصير.

‏وعندما نتأمل مسار الأحداث خلال السنوات الماضية، يتضح الفارق بين مشروعين مختلفين تمامًا في الرؤية والأهداف والوسائل.

‏فالسعودية جاءت إلى اليمن بسقف الدولة، وسيادة القانون، وقرار الشرعية، وإعادة بناء الجيش الوطني، ودعم المؤسسات، والحفاظ على وحدة البلاد، وترسيخ مفهوم الأمن الإقليمي المشترك.

‏أما المشاريع الأخرى فقد جاءت بسقف الفصيل والمليشيا، وراهنت على صناعة كيانات موازية للدولة، وتغذية الانقسامات، وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى مناطق نفوذ متنازعة، تديرها الولاءات الضيقة بدل المؤسسات الوطنية.

‏لقد دعمت المملكة اليمن ليستعيد عاصمته ودولته ومؤسساته، ولتحمي حدودها الجنوبية من المشروع الإيراني الذي وجد في مليشيا الحوثي أداة لتهديد أمن المنطقة واستقرارها. وسعت إلى فرض منطق السياسة على الحرب، ومنطق الدولة على الفوضى، ومنطق التسوية على منطق السلاح.

‏ولهذا يثق اليمنيون بالمملكة.

‏يثقون بها لأنها لم تؤسس مليشيا خارج إطار الدولة، ولم تنشئ جيوشًا موازية تنازع المؤسسات الشرعية صلاحياتها، ولم تتاجر بدماء اليمنيين، ولم تجعل من الفوضى مشروعًا سياسيًا، ولم تحول الانقسام إلى وسيلة لتحقيق المكاسب.

‏ويثقون بها لأنها ظلت ثابتة على موقفها الداعم للدولة اليمنية، حتى عندما كان هذا الموقف أكثر صعوبة وأقل ضجيجًا من مشاريع أخرى تقوم على الاستعراض الإعلامي وصناعة الأزمات.

‏إن المملكة العربية السعودية لم تكن يومًا طارئة على الملف اليمني، كما أنها لم تتعامل معه بمنطق المكاسب الآنية. لقد تعاملت معه باعتباره جزءًا من أمنها الوطني، لأن سقوط اليمن في الفوضى لا يهدد اليمنيين وحدهم، بل يهدد المنطقة بأكملها.

‏ومن هنا يمكن فهم الموقف السعودي الثابت تجاه وحدة اليمن وسيادته واستقلال قراره الوطني.

‏فحين تتحدث المملكة عن حماية المدنيين، فإنها لا تتحدث بلغة سياسية مجردة، بل تنطلق من رؤية تعتبر أن أمن الإنسان أساس أمن الدولة، وأن حماية اليمنيين مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون موقفًا سياسيًا.

‏وحين تدعم المملكة الشرعية اليمنية، فهي لا تدافع عن أشخاص أو أحزاب أو جماعات، بل تدافع عن فكرة الدولة نفسها، وعن حق اليمنيين في العيش تحت سلطة القانون لا تحت سلطة السلاح.

‏وحين تتمسك بوحدة اليمن، فهي لا تتمسك بشعار سياسي، بل بثابت استراتيجي ترى فيه الضمان الوحيد للاستقرار والأمن والتنمية.

‏لقد أثبتت التجربة أن المشاريع القائمة على الفصائل والمليشيات قد تصنع نفوذًا مؤقتًا، لكنها لا تبني دولة، وأن الكيانات المسلحة مهما امتلكت من القوة لا تستطيع أن تكون بديلًا للمؤسسات الوطنية

‏أما الدولة فهي وحدها القادرة على حماية المواطن، وصيانة السيادة وتحقيق التنمية، وبناء المستقبل

‏حين يلتف اليمنيون حول المملكة فهم لا يلتفون حول قوة عسكرية أو نفوذ سياسي بل حول رؤية واضحة المعالم. رؤية تؤمن بأن الدولة هي الحل،وأن الفوضى ليست قدرًا محتوما وأن اليمن يستحق أن يُنقذ بعقل الدولة لا بشهوة السلاح وبمنطق القانون لا بمنطق الغلبة

‏وحين تتكلم المملكة العربية السعودية،فإنها لا تتحدث باسم طرف أو فصيل بل تتحدث بلغة الدولة ومسؤوليتها. وحين تتحرك فإنها تتحرك وفق رؤية استراتيجية لا تبحث عن التصفيق بل عن النتائج.

‏ولهذا يدرك اليمنيون أن المملكة لم تكن يومًا جزءًا من المشكلة بل كانت وما تزال جزءًا أساسيًا من الحل