تمتد تهامة بسهلها الواسع على طول الساحل. حاضنةً تاريخاً عريقاً وثقافةً ضاربةً في القدم. وأرضاً عُرفت بالزراعة والصيد والتجارة. ورغم ما تمتلكه من مقومات طبيعية وبشرية. لا تزال هذه المنطقة تعاني من تحديات مزمنة جعلت أبناءها يرددون كلمة واحدة تختصر المشهد “المظلومية”.
مظلومية تهامة لا تعني مجرد شكوى عابرة. بل هي تراكم سنوات من الإهمال التنموي. وضعف الخدمات. وتراجع البنية التحتية. فالكثير من المناطق التهامية تعاني من طرق متهالكة. وخدمات صحية محدودة. ونقص في المشاريع التنموية التي تواكب احتياجات السكان. كما أن معدلات البطالة والفقر في بعض المديريات تعكس فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والواقع المعاش.
ورغم أن تهامة تعد من أغنى المناطق بالموارد الزراعية والسمكية. فإن الاستفادة من هذه الموارد لا تزال دون المستوى المأمول. فالمزارعون يواجهون صعوبات في التسويق والدعم. والصيادون يعانون من غياب التنظيم والحماية الكافية لمصادر رزقهم. ما يجعل الثروة الطبيعية غير مستثمرة بالشكل الذي يعود بالنفع على السكان.
ولا يمكن إغفال التأثيرات المناخية القاسية التي تتعرض لها المنطقة. من سيول متكررة إلى موجات حر شديدة. في ظل استعدادات محدودة لمواجهة الكوارث. كل ذلك يضاعف من معاناة المواطنين ويزيد الشعور بالتهميش.
تقع على عاتق المسؤولين مسؤولية كبرى في إنصاف تهامة وتحويلها من منطقة مهمشة إلى نموذج تنموي واعد. فالتنمية لا تتحقق بالشعارات. بل بخطط استراتيجية واضحة تقوم على:
• تطوير البنية التحتية من طرق ومياه وكهرباء وصرف صحي.
• دعم القطاع الزراعي والسمكي بتقنيات حديثة وتمويل مناسب.
• إنشاء مشاريع استثمارية توفر فرص عمل لأبناء المنطقة.
• تعزيز الخدمات الصحية والتعليمية بما يليق بحجم السكان واحتياجاتهم.
• تطبيق مبدأ العدالة في توزيع المشاريع والموارد.
المسؤول الحقيقي هو من ينزل إلى الميدان. يستمع للناس. ويحول معاناتهم إلى أولويات عمل. كما أن الشفافية والمساءلة عنصران أساسيان لضمان أن تصل المشاريع إلى مستحقيها دون فساد أو محسوبية.
في المقابل لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط. فالمواطن شريك أساسي في عملية التنمية. ويتجلى دوره في:
• الحفاظ على الممتلكات العامة وعدم الإضرار بالمشاريع القائمة.
• دعم المبادرات المجتمعية والعمل التطوعي.
• المطالبة بالحقوق بطرق سلمية وحضارية قائمة على الحوار والقانون.
• تشجيع التعليم والوعي بين الأجيال الجديدة باعتباره أساس التغيير المستدام.
إن وعي المجتمع بقضاياه وتنظيم مطالبه بشكل حضاري يعزز فرص الاستجابة ويمنح صوته قوة وتأثيراً أكبر.
تهامة ليست مجرد منطقة جغرافية. بل هي إنسان وهوية وتاريخ. مظلوميتها ليست قدراً أبدياً. بل واقع يمكن تغييره بإرادة سياسية صادقة. ومجتمع واعٍ. وتكامل حقيقي بين الدولة والمواطن. فحين تتوفر العدالة في التخطيط. وتُستثمر الموارد بكفاءة. ويشعر المواطن بأنه جزء من القرار. يمكن لتهامة أن تتحول إلى قصة نجاح تنموي تعكس إمكاناتها الحقيقية.
إنصاف تهامة ليس مطلباً مناطقياً ضيقاً بل خطوة نحو تحقيق تنمية متوازنة تعود بالنفع على الوطن بأكمله. فالأوطان القوية تُبنى حين لا تترك أطرافها خلف الركب. وحين يشعر كل مواطن أن صوته مسموع وحقه محفوظ.

