تدوير المناصب الحكومية بات سمة ملازمة لتشكيل الحكومات حيث تتكرر بعض الوجوه ذاتها في كل حكومة جديدة تتبدل المسميات والحقائب. لكن الأشخاص هم أنفسهم. وكأن الوطن قد عجز عن إنجاب كفاءات جديدة قادرة على حمل المسؤولية. هذا المشهد لا يثير الاستغراب بقدر ما يثير القلق. لأنه يعكس أزمة عميقة في مفهوم الدولة وإدارة الشأن العام. عند كل إعلان حكومي. تتجدد آمال الشارع بإصلاح حقيقي وتغيير ملموس. لكن سرعان ما تتبدد هذه الآمال حين يكتشف المواطن أن التشكيلة ليست سوى إعادة تدوير لأسماء سبق أن جُربت في مواقع مختلفة او في المواقع نفسها. دون أن تترك أثراً إيجابياً يذكر. السؤال المشروع هنا: ما الذي تغير إذا كانت الأدوات نفسها والعقول نفسها هي من تدير المشهد؟ إن حصر المناصب في دائرة ضيقة من الأشخاص يكشف عن خلل في آليات الاختيار. وغياب معايير الكفاءة والنزاهة. لصالح المحاصصة والولاءات والعلاقات الشخصية. وهذا النهج لا يكرس فقط الفشل الإداري. بل يقضي أيضاً على أي فرصة لبروز قيادات جديدة تمتلك رؤية مختلفة وروحاً إصلاحية حقيقية. الأخطر من ذلك أن تدوير المناصب يمنح الفاشلين فرصة الإفلات من المساءلة. فبدلاً من محاسبة المسؤول عن الإخفاق. يتم نقله من وزارة إلى أخرى. او إعادة تعينه في نفس المنصب. وكأن الفشل مؤهل إضافي لتولي مناصب أعلى. وهنا تتحول الحكومة من أداة لإدارة الدولة إلى نادٍ مغلق لتبادل المواقع والنفوذ. البلد لا يعاني نقصاً في الكفاءات. بل يعاني من إقصائها. فهناك آلاف من الخبرات الوطنية. في الداخل والخارج. تحمل علماً وتجربة ونزاهة. لكنها تبقى خارج دائرة القرار لأن المعايير لا تبحث عن الكفاءة بقدر ما تبحث عن الولاء والاصطفاف. إن أي حديث عن إصلاح أو إنقاذ لا يمكن أن يكون ذا مصداقية ما لم يبدأ بكسر حلقة تدوير المناصب. وفتح المجال أمام دماء جديدة. واختيار المسؤولين وفق معايير واضحة تقوم على الكفاءة والقدرة والإنجاز. مع إخضاع الجميع للمساءلة دون استثناء. فالدول لا تبنى بالوجوه المكررة. ولا تنهض بالعقول التي أثبتت فشلها. وإنما تبنى بإرادة حقيقية للتغيير. تعترف بالأخطاء وتمنح الفرصة لمن يستحق لا لمن اعتاد الجلوس على الكراسي.

