فجر اليمن.. المحاولة الأخيرة
أطلق رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، عملية "فجر اليمن" لطرد المليشيا الحوثية من سائر البلاد. عملية مركّبة، بقوّات يمنية خالصة على الأرض، وقوّة جوية وبحرية غير يمنية. البداية كانت مُفاجئة وسريعة، إذ استُعيد شريط بحري خطِر، من باب المندب إلى المخا، خلال ساعات. هناك توقّعات بحسم المعركة خلال وقت قصير، بالنظر إلى اكتمال عناصر الحسم: قوة برية ضخمة، مدعومة بالتعبئة العامة، تفوق برّي وبحري حاسم، وإجماع داخلي وخارجي على إنهاء حقبة عبدالملك الحوثي.
يمثّل الحوثي النسخة الحديثة من تيار ديني عمره زهاء 800 عاماً. ضمن مصادفة تاريخية وجد له مكاناً في شمال اليمن، جبال صعدة وما حولها، وهناك وضع بذرته. ثمانية قرون من اللا-استقرار عاشها اليمن الذي سيُدعى في مرحلة من تاريخه بمقبرة الأتراك. والحقّ أنّه كان، على مرّ تلك القرون، مقبرة لليمنيين.
قبل ستين عاماً تمكّن اليمنيون، بدعم حاسم من الجيش المصري، من الإطاحة بآخر إمام من تلك السلالة التاريخية. غير أنّ الثورة التي أطاحت بالإمام أبقت على الإمامة، ظنّاً منها أنّ دمج الإمامة داخل الجهاز الجمهوري سيُفرّغ الإمامة من الأحلام والخيال.
عقب انتصار صالح عسكرياً على رفيقه علي سالم البيض، 1994، راح يستثمر في المشروع الإمامي مُعتقداً أنّ بمقدوره التحكّم بتلك اللعبة الخطرة. اندفع إلى ذلك التكتيك خوفاً من خصومه داخل القوات المسلّحة، ومن الشعبية المُتزايدة لتيار الإسلام السياسي المُتمثّل في حزب الإصلاح. وأيضاً، بسبب النمو المُتزايد للتيارات السلفية التي ترى في الزيدية تحديّاً من نوع خاص. في رسالة كتبها يحيى المتوكّل، أحد أفراد السلالة الذين ثاروا ضدّها، إلى القائد الشعبي المعروف، مجاهد أبو شوارب، تخوّف الأوّل من نيات صالح الرامية إلى "تأسيس جماعة دينية مسلّحة من أصحاب المذهب الزيدي تُعنى بالدفاع عنه" كما في نصّ الرسالة المُوقّعة بتاريخ 1 يوليو/تموز 1995. سرعان ما رأت الجماعة الدينية النور، وخلال سنوات قليلة خاضت حربها الأولى ضدّ الدولة. نقف الآن على بعد ثلاثة عقود من تلك الرسالة وها نحن نرى البذرة وقد صارت إلى دويلة في شمال اليمن، مدرّعة بالسلاح والخوف والعنصرية.
الحرب الراهنة كشفت جانباً استثنائياً عن هذه الجماعة- الدولة. أوقفت كلّ مظاهر الحياة عدا التعبئة العامة المُستدامة، وإعادة هندسة المجتمع ثقافياً. بوصفها تمثّل أقلية اجتماعية، وحتى دينية، اندفعت في اتجاه إنتاج شعبها الخاص. حالياً تستوعب مؤسّستها المُعقّدة المُسمّاة "المدارس الشرعية" حوالي 12 ألف طالب للعلوم الشرعية، علوم آل البيت. سيلتحق هؤلاء بجهاز التعبئة الشامل الذي أسّسته الجماعة. معارك الجماعة في ريف تعز يقودها، حاليّاً، شابٌ اسمه "أبو نصر الشميري". أبو نصر، هذا، كان طفلاً في دكان أبيه في صعدة قبل عقدين من الزمان. كما يُنبئنا الاسم، فالعائلة تنتمي إلى محافظة تعز، وهي محافظة أبعد ما تكون عن إيديولوجيا جماعة الحوثي. غير أنّ "المحاضن التربوية" للجماعة حوّلت الطفل، عبر عملية تنشئة وهندسة غاية في التعقيد والكثافة، إلى قاتل مؤدلج يؤمن بكلّ ما لا تعرفه ولا تقبله عشيرته.
هذا النوع المُعقّد من التنظيمات المُزوّدة بخبرة تاريخية عميقة، يفرض كلفة باهظة على كلّ عملية تستهدفه. خلال ثلاثة عقود توغّل الحوثي في نسيج المجتمع، ربط مصالح فئة واسعة بوجوده، اختطف الأبناء وأعاد إنتاجهم إلى حوثيين، وحوّل الفقر إلى نظام للتعبئة العامة. الفقراء غالبا ما يكونون مُرتزقة جيدين. إشاعة الفقر هي استراتيجية حوثية مستدامة، وقد رأينا كيف تؤتي أُكلها في الحرب الراهنة. من اللافت أنّ الناس باتت تعتقد أنّ الحوثي، لفرط القوّة البشرية التي حشدها، لم يعد يتنبه إلى الآلاف منها التي تفقد حياتها في معاركه.
نرى كيف يحوّل الحوثي الموت إلى مشهد كرنفالي، تُعزف فيه الأناشيد وتمضي الجنازات في مشاهد مهيبة حاملة صور القتلى. في تقدير عدنان الجبرني، أبرز الخبراء في الظاهرة الحوثية، فالمقصود من وراء تلك الطقوسية هو تطبيع حياة الناس مع الموت باعتباره شأناً طبيعياً. كسر هيبة الموت على ذلك النحو المجازي يخفّف من وطأته، ما يجعل شرايين وخطوط التعبئة مستدامة. الاحتفالات تأتي بالموت من الجبهات إلى الأحياء والفقراء، وتمجّد الراحلين بوصفهم الناجين الوحيدين، لذا نرى أُسراً تعلن عن مقتل العديد من أبنائها واحداً وراء الآخر. تفعل ذلك بالحدّ الأدنى من الندم. فالموت، داخل الطقوسية الحوثية، شأن يسير، بل داعية بليغ. الجنازة الكرنفالية التي تحمل نعوشاً وهمية إلى المقابر هي، في ذاتها، حملة للتعبئة، تملك إغراءها الخاص. لاحظ محمد الحيدري، الخبير العسكري، أنّ أسرى الحوثي ينفجرون بكاءً ما إن يقعوا في الأسر، على خلاف ما يتوقّعه المرء من انفعالات الأسير. يُرسل الحوثي مقاتليه إلى غايتين: السلب أو الشهادة. الوقوع في الأسر هي حقيقة أخرى لم يتدرّبوا عليها، كما أنّها تحرمهم من العودة الكرنفالية، تحت غطاء من الفخر والأناشيد، إلى قراهم.
غيّر الحوثي كثيراً في البنية النفسية للفرد، وفي السياق العام للمجتمع، ووصلت اختراقاته إلى المحكية الشعبية والكود اللغوي. فعل ذلك ضمن نشاطه الدؤوب لتنفيذ إبادة ثقافية شملت التعليم، التربية، التشريع، العقيدة، الإبداع، الصورة، الطقوس، إعادة كتابة التاريخ، هندسة الحياة الاجتماعية، وحتى نظام الأعياد والمواسم. تخلّق، إلى حدّ كبير، الشعب الحوثي، وتشكّلت النواة الصلبة للحاضنة الاجتماعية، والعمق الثقافي. تلك هي المنعة المُتزايدة التي ينجزها الحوثي إلى جانب الطيران المُسيّر والصواريخ.
كل يوم يمضي يراكم فيه الحوثي منعة وقوّة، وتزداد أسوار مدينته صلابة. لذا فإن عملية فجر اليمن هي المحاولة الأخيرة قبل فوات الأوان.
- نقلا عن العربي الجديد