03 اكتوبر 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس

تعز .. أرض الشروق والفجر والحرية

 

ترددت طويلًا في أن أكتب عن تعز. ليس لأنني لا أجد ما أقوله عنها، بل لأنني خشيت أن يبدو حديثي عنها، وأنا ابنها، نوعًا من الانحياز للمكان. فأنا قومي عربي، آمنت دائمًا بأن اليمن كله وطني، وأن الوطن العربي فضاء انتمائي، ولم أرَ يومًا في مكان الميلاد سببًا للمفاخرة. فالمدن والمحافظات لا تكبر في أعين الناس لأننا ولدنا فيها، وإنما تكبر بما تمثله وما تقدمه لوطنها.

واليوم أكتب عن تعز لأن الصمت عنها لم يعد إنصافًا. أكتب عنها وهي تدفع ضريبة الدم، ولا يقدر على دفع ضريبة الدم إلا من يقدّر شرف الحياة ويعرف قيمتها. وتعز تدفع هذه الضريبة دفاعًا عن الحياة في مواجهة الموت، وعن النور في مواجهة الكهنوت والظلام، وتقدم أبناءها شهداء دفاعًا عن الجمهورية والحرية.

أكتب عنها لا باعتباري ابن تعز فقط، ولكن باعتباري يمنيًا يعتز بما تمثله تعز في وطنه.

تعز مدينتي ومحافظتي. وفي إحدى قراها كان مولدي وبداياتي الأولى؛ قرية لا تبعد عن المدينة أكثر من عشرة كيلومترات، لكنها كانت في زمن الإمامة أبعد بكثير مما تقوله المسافة، قبل أن تفتح الجمهورية الطرق إلى القرى، وتفتح معها أبواب المدرسة والحياة.

لكنني لا أحب تعز لأنها مسقط رأسي وحده. أحبها لما تمثله، ولما أعطته لليمن.

وحين أقول تعز فأنا لا أعني المدينة وحدها. تعز محافظة واسعة ومتنوعة؛ جبال وريف وسهل وساحل وبحر، وتنتهي عند واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، باب المندب.

فوق المدينة يقف جبل صبر، الذي ارتبط باسمها وصورتها. وهناك الحجرية وجبل حبشي، وشرعب والمخلاف، والمخلاف أرض مولدي. وهناك ماوية والقبيطة في شرق تعز وجنوب شرقها، وموزع والوازعية غربًا. ومن هذا الريف خرجت أجيال حملت تعز معها إلى كل مكان، وظلت القرية والجبل في ذاكرتهم مهما ابتعدوا.

وتعز ليست جبالًا فقط. هي أيضًا السهل والبحر. هي المخا التي حملت اسمها عبر القرون إلى العالم واقترن اسمها ببن اليمن وقهوته، وهي الساحل وباب المندب.

وهذه الجغرافيا جعلت تعز متصلة بكل ما حولها. غربًا تلتقي بتهامة، بأرضها وأهلها الطيبين، وترتبط بإب بروابط اجتماعية وإنسانية قديمة. وشرقًا وجنوب شرق، عبر ماوية والقبيطة، تتصل بامتدادات الداخل والجنوب، ومن جنوبها ينفتح الطريق نحو لحج وعدن.

ولهذا لم تكن تعز يومًا جزيرة منفصلة عن محيطها. الجغرافيا نفسها جعلتها نقطة اتصال بين الجبل والساحل، وبين الريف والمدينة، وبين الشمال والجنوب.

وربما لهذا أيضًا كان معنى الجمهورية والوحدة حاضرًا فيها بقوة. فالجمهورية بالنسبة لتعز تعني المواطنة والمساواة ورفض الإمامة، والوحدة ليست مجرد شعار، وإنما حقيقة صنعتها الجغرافيا والتاريخ والروابط بين الناس. الجمهورية تجمع، والوحدة تصل، واليمن أكبر من كل عصبية صغيرة.

وتعز أعطت اليمن الكثير. خرج منها سياسيون وقادة دولة ومناضلون وثوار، وأدباء وشعراء وكتّاب وصحفيون، وفنانون ومطربون ومسرحيون، ومعلمون وقضاة وأطباء ومهندسون وتجار ورجال أعمال.

وكان للتعليم مكان خاص فيها. المدرسة كانت بابًا للصعود، والتعليم حلمًا تكاد تشترك فيه كل أسرة. ولهذا انتشر أبناء تعز في مختلف أنحاء اليمن، يعملون ويعلّمون ويتاجرون ويساهمون في بناء مؤسسات الدولة والحياة العامة. وحيثما ذهب التعزي أصبح جزءًا من المكان الذي عاش فيه، وأعطاه مثلما أخذ منه.

وتعز لم تكن صاحبة رأي واحد أو حزب واحد. عرفت مختلف التيارات والأفكار، واختلف أبناؤها في السياسة والفكر وتحاوروا وتنافسوا. وعرفت الغناء والشعر والصحافة وحتى المسرح. وهذه واحدة من خصائصها التي أحبها فيها.

ومن هنا يمكن فهم علاقتها بثورة سبتمبر. فقد كانت حاضنة لأفكار الثورة ضد الإمامة، ثم أصبحت ابنة سبتمبر وحاميته. وسبتمبر بالنسبة لتعز لم يكن مجرد تاريخ أو نشيد، وإنما كان الجمهورية في مواجهة الإمامة، والمواطنة في مواجهة الامتياز، والتعليم في مواجهة الجهل، وحق اليمني في أن يكون مواطنًا حرًا لا تابعًا لأحد.

ولم يتوقف دور تعز عند سبتمبر.

فمن ميدان الشهداء فيها انطلق صوت جمال عبدالناصر هادرًا في وجه الاستعمار البريطاني، مطالبًا إياه أن يحمل عصاه ويرحل من عدن والجنوب، ومن تعز انطلقت العملية "صلاح الدين" لدعم ثورة 14 أكتوبر، وكانت تعز مقرًا لقيادات الثورة ومناضليها ومركزًا للتدريب والإمداد، ومنها امتد الدعم إلى جبهات القتال في الجنوب حتى انتصرت الثورة ورحل الاستعمار البريطاني.

وهكذا التقت في تعز ثورتا سبتمبر وأكتوبر؛ الجمهورية والتحرر من الاستعمار.

وعندما عادت الإمامة في ثوب جديد، وعاد معها ادعاء الاصطفاء والحق في حكم اليمنيين بالقوة والسلاح، كان طبيعيًا أن تقاوم تعز. ودفعت ثمنًا باهظًا. عرفت الحصار والقصف والطرقات المغلقة، وقدمت الشهداء، وما زالت تدفع ثمن موقفها.

لكن تعز لم تسلّم، ولن تسلّم.

وما خسرته من أرضها لن تعتبره أمرًا واقعًا. المخا والساحل الغربي وباب المندب، وشمال تعز والحوبان، ستظل في وجدان أبنائها أرضًا تنتظر التحرير والعودة إلى الدولة. وأنا على يقين بأنها ستتحرر. قد يستطيع السلاح أن يسيطر على الأرض، لكنه لا يستطيع أن يجعل الناس يقبلون بما يرفضونه، ولا أن يمحو إيمانهم بالجمهورية.

والتعزي، وهو يدافع عن تعز، لم يعتبر حدود محافظته حدودًا لمعركته. فكل أرض يمنية هي أرضه.

كان أبناء تعز مع إخوانهم في عدن والجنوب في معركة التحرر من الاستعمار، وكانوا معهم مرة أخرى عندما تحررت عدن من الحوثي عام 2015. وقاتلوا دفاعًا عن ثورة سبتمبر والجمهورية منذ أيامها الأولى، وكانوا في ملحمة السبعين، وفي مقدمة أبطالها القائد البطل الشهيد المغدور عبدالرقيب عبدالوهاب، أحد أبرز قادة الدفاع عن صنعاء والجمهورية.

وكان أبناء تعز، وما زالوا، في صعدة والجوف ومأرب وفي كل مكان أتيح لهم فيه القتال دفاعًا عن الجمهورية والدولة. فالتعزي لم يرَ معركته يومًا معركة محافظة، وإنما معركة وطن.

حرية اليمن لا تتجزأ، والجمهورية لا تُحمى في تعز وحدها، وإنما في كل مكان تكون فيه مهددة.

ولهذا فإن صمود تعز ليس شأنًا تعزيًا. صمودها حماية للحج وعدن والجنوب، وانتصارها انتصار للجمهورية واليمن. والعكس صحيح؛ لأن ما يحدث في تعز لا يتوقف أثره عند حدودها، وأمنها متصل بأمن عدن والجنوب، ومصير معركتها متصل بمصير اليمن كله.

وحين تنتصر تعز وينكسر مشروع الحوثي فيها، سيكون انتصارها نقطة تحول في معركة الجمهورية، وسيفتح الطريق نحو صنعاء، حيث تكتمل معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب

ومثل تعز، تقف مأرب، صمودها لم يكن دفاعًا عن محافظة وحدها. لقد وقفت سنوات في وجه تمدد الحوثي، وتحملت الكثير دفاعًا عن الجمهورية، ولذلك لا أرى تعز ومأرب جبهتين منفصلتين، وإنما جبهتين لمعركة واحدة، معركة استعادة الدولة والجمهورية.

وتعز لا تحب الحرب، تعز تحب الحياة، تحب المدرسة والجامعة والكتاب، والأرض والسوق والمقهى، والمسرح والأغنية. وهي تقاتل لأنها تريد أن تعود إلى الحياة، وتحمل السلاح لكي يأتي اليوم الذي لا يحتاج فيه أبناؤها إلى حمله.

وأنا حين أحب تعز لا أحبها لأنها مسقط رأسي فقط، وإنما لما تمثله. ولو وجدت هذا المعنى في أي مدينة يمنية أخرى لأحببتها، ولو وجدته في مدينه في الوطن العربي لأحببتها أو في مدينة بعيدة من مدن العالم لاحترمتها.

وسيظل صبر شاهدًا على تعز؛ يمنحها من شموخه، وتمنحه من صمودها معنى اسمه الحرية.

قد تتعب تعز، وقد تنزف، وقد يطول ليلها، لكنها لن تنحني. وسيأتي الفجر الذي تُفتح فيه الطرق، وتصمت المدافع، ويعود المسافرون، ويطل الناس من صبر على مدينة استعادت سلامها، ومحافظة استعادت أرضها وساحلها، ووطن استعاد دولته.

هذه هي تعز التي أحبها. ليست أرض التعزي وحده، بل أرض تستحق أن تُحب؛ تعز الشروق والفجر، تعز الثقافة والجمهورية والوحدة والحرية، باقية وسط كل هذا الألم، مرفوعة الرأس مثل صبر.